اليوم jeudi 26 novembre 2020 - 11:47
أخر تحديث : mardi 26 novembre 2013 - 10:42

ساعة في جحيم مستشفى الدراق ببركان (1)

www.sabahachark.com

لطالما اعتبر المستشفى المكان الذي يرتاده المرضى طلبا للعلاج من الأمراض، و لطالما اعتبر ” الأوبيطال ” محط انتقاد المواطنين الذين يحسون باللامبالاة من طرف العاملين بهذا القطاع، و الاستهتار بأرواحهم لأنّ الاعتناء بالمريض لا يكون بالدواء فقط بل بالتعامل الانساني، من كلمة طيبة و توجيه لا سيما للذين لا يعرفون طريقا للكتابة و لا للقراءة.
جريدة صباح الشرق وموقعها الإلكتروني , و بعد الشكايات التي انهالت علينا ، ارتأى طاقمها التنقل إلى مستشفى الدراق ببركان و أعد إليكم هذا التقرير:

           * ” واش هادو بنادم و لا حوالة، السكيريتي دار حالة “

كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة و النصف صباحا، عندما و لجنا الباب الرئيسية المؤدية الى مدخل مستشفى الدراق ببركان. أول ما يستدعي انتباهك مع أول وطأة قدم، هي المشاداة الكلامية التي يكون عادة طرفاها حارس الشركة المكلفة بأمن أبواب المستشفى، و المواطنون. صوت الحارس يعلو و لا يعلى عليه , لا كلمة تنفذ إالاّ ما جاد به لسانه، الذي عادة ما يتفوه بألفاط نابية تخدش الحياء، و تعكس المستوى الثقافي لذلك الحارس و من معه ” لا نقول هذا الكلام على سبيل التعميم بل التخصيص “.
سرنا بخطوات متثاقلة، لأن ” الفضول الصحافي ” كان يدفعنا الى معرفة نهاية هذه المشاجرة اللفظية. ينتهي الشجار بتدخل أحد المحسنين ” صافي نعلو الشيطان اللّه يخليكم “، يرد الحارس بنبرة تختزل بركانا على وشك الإنفجار ” الشيطان هو بنادم “.
و لأنّ الحارس هو الآمر و الناهي، يمنع دخول المتشاجر معه، ” فويل لمن حلت عليه غضبة الحارس “.
يتدخل حارس آخر بلطف، و بأدب، بعدما راقب الأمور من بعيد، قبل أن يقرر في نهاية المطاف فض النزاع، فيأمر الرجل الذي آلمته حرقة المعدة فلم يجد إلاّ منطق ” العين بالعين ” و ” السن بالسن “….
يدخل الرجل مرفوع الهامة يمشي، مرفوع الرأس، لأنه قد انتصر على الحارس و هو يتمم كلمات لم نفهم فحواها أبدا.
فيما الحارس استشاط غضبا من صاحبه ” علاش أ صاحبي دخلتو “، ليرجع إلى عمله، و لا شك أنّه يوم حافل بالمشاكل و المشاحنات ” الله يكون في أعوانك آمولاي “، فيما المواطن ولج المستشفى، و انتصر لنفسه، ليبحث عن قضاء حاجته …..

القوي يأكل الضعيف، و الموظفون يتلاعبون بأعصاب المرضى

أكملنا السير، و بعد الرجل اليمنى لباب الدخول الفعلي للمستشفى، تفاجأنا بطابور من المرضى، تتعال أصواتهم هنا و هناك …. إنهم ينتظرون دورهم في الحصول على ختم و توقيع ” الكاشي ” من المكان المخصص للمعوزين و ذوي الدخل المحدود، الحاصلين على بطاقة الرميد، و هناك تبدأ فصول أخرى من مسلسل درامي ستبث حلقاته لاحقا.
تزاحم و تدافع عند النوافذ والشبابيك التي نصبت لهذا الغرض، العشرات من المرضى اصطفوا يمنة و شمالا، في مشهد ينم عن عدم انضباط المرضى، و الكل همه الأول و الأخير الظفر بأسرع توقيع.
” انضبطوا النسا ” هكذا صاح رجلا في وجه امرأة، كانت تنافس الرجال و تستعرض عضلاتها و هي تكابد قوة الرجال ….فيما تخلفت نسوة عن الطابور خشية أن يصيبهن أذى من جبروت المتدافعين.
بينما المعركة محتدمة على أشدها، يلجأ الموظفون ” سامحهم الله ” و الذين أوكلت لهم مهمة الاشراف على ختم ورقة ” السكانير و الراديو ” إلى اغلاق النوافذ متلاعبين بأعصاب المواطنين، غير مكترثين بنار الحرقة التي فعلت فعلتها في المرضى ” يخدمو بالجميل ” هكذا انبعثت صرخة من شاب في مقتبل عمره، مصحوبا بوالده الهرم الذي بلغ من الكبر عتيا . استمر إغلاق النافذة لما يناهز 3 دقائق، قبل أن تسترجع الموظفة أنفاسها، و يعود الطابور ليأخد مجراه.
.

                                      المتطوعون: نقطة اختلاف: 

تركنا الوضع على ما هو عليه، و في الطريق المؤدية للمستعجلات، فتاة في عمر الزهور ” 25 _ 20 سنة ” تصارع المرض لوحدها، مكتوية بنار الألم، تضع يدها على رأسها، تصرخ، تروح، و تغدو، كثيرة الحركة من شدة الوجع, تنام تارة على الأرض رغم برودة الجو، و تارة أخرى تنهض و تضرب الحائط بيديها النحيلتين، و من يحرك ساكنا؟
حالها يدمي القلوب، و ألمها يحرك الضمائر الميتة، من يتدخل؟ و لا أحد سأل عنها؟ ” كل واحد دايها فراسو “.
_ ” أجي أش كيديرو تما دوك المتطوعين؟”
_ ” هادوك راه ما فيديهوم والو “.
المتطوعون كما صنفناهم بحسب ما رأيناه في المستشفى، صنفان:
فئة تشتغل بنية، تنم عن حبهم و إخلاصهم في العمل، رغم أنّهم لا يتقاضون و لو درهما واحدا، يساعدون الطبيب، يوجهون المرضى، يعملون بكل ما أوتوا من قوة ، و أناملهم الصغيرة تكون سباقة للتخفيف عن المرضى، و أحيانا يتقمصون دور الطبيب في كنف أزمة الخصاص المهول الذي يعاني منه المستشفى. و صنف آخر من البنات و الذكور يتبادلون القبلات هنا و هناك، و أرقام الهواتف …. يتربصون بكل مريض ترافقه فتاة جميلة، حسناء وكبيرة المقلتين، تسر الناظرين، لينقض عليها و من معه كالفريسة، و يستفسروا عن حاجتهما ليقدموا المساعدة، و لكن يخفون في  أنفسهم أشياء أخرى إلاّ حاجة في نفس يعقوب

!المستعجلات: ذاك بيت القصيد

نعود إلى الفتاة التي مازالت تصارع المرض، قطعت الأمتار، و لربما الكيلومترات، لأنّها لم تقو على تحمل الألم.
تسمرنا في مكاننا، و بقينا نشاهد المنظر باندهاش كبير، و ترقب لذوي القلوب الرحيمة. اقتربت منها نسوة أشفقن لحال المسكينة التي كاد ينفجر رأسها. دخلت الشابة، المكان المخصص للفحص بالأشعة، بعد أن سمحت لها جموع المرضى المحتشدة أمام الباب. دام غيابها لمدة عشرين دقيقة، لتخبر الناس الذين كانوا مرابطين في الخارج، أن ماءا يوجد برأسها، ذهبت و توارت عن الأنظار.
.
تزحزحنا من مكاننا باتجاه المستعجلات، و ياليتنا لم نذهب. مرضى هنا و هناك …. صراخ في كل مكان، نياح يشفق له العدو قبل الصديق، كل واحد يصارع المرض لوحده، لا طبيب، و لا شفيق، و لا رحيم… إلاّ أولئك المتطوعون الذين يحاولون التخفيف من حدة ألم الرجل الهرم المستلقي على السرير، و لو بكلمة طمأنينة، لأنّ اليد قصيرة، فما هم بالأطباء و لا بالممرضين، لا بدارسي الطب و لا الصيدلة.
متطوع و فاعل للخيرلا يعتمد عليه، في مثل هذه المواقف، لا سيما الخطيرة منها، و التي تستدعي تدخلا ” عاجلا ” لذوي الاختصاص، و من أفنوا حياتهم في دراسة هذا الميدان. أمام هذا الوضع، تساءلنا عن السبب وراء غياب الطبيب، لنتفاجأ أنّه قد دخل في مشاداة كلامية مع أحد المرافقين لمريض جاء بطلب الاستشفاء و التطبيب، و انتقاما من ذلك الشخص، غضب الطبيب و دخل غرفته و أقفل بابها.
بعد حوالي 15 دقيقة، و في ظل أعداد المرضى المتقاطرة على المستعجلات من مختلف المناطق ، تدخل رجل وسيم، بملابس جديدة و بربطة عنق سوداء، تدل على أنه رجل مهم، ليعود الطبيب لعمله و هو ” الباطرون “فإياكم  ثم إياكم أن يتكلم أو يغضبه أحد، فلو تجرأ شخص على فعل ذلك هذه المرة، فإنّه سيذهب بدون رجعة.
لم نستطع المكوث كثيرا بهذا الجناح، و نطلب منكم أن تسامحونا لأننا لم نسرد البقية رحمة بذوي القلوب الضعيفة.
غادرنا المستعجلات مكرهين، غير راضين عما رأيناه، و بدأنا نتجول في أجنحة المستشفى لنقرر الذهاب صوب جناح …………..
                                                                                       يـتبـــــــــع

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.