اليوم mercredi 14 avril 2021 - 5:27
أخبار اليوم
أخر تحديث : dimanche 8 mars 2015 - 10:30

هل فعلا أصبحت بركان قبلة مفضلة للمتشردين و المختلين عقليا ؟

www.sabahachark.com

تراهم هنا و هناك، على الأرض تارة وعراة تارة أخرى…. ملابس متسخة، وأقدام حافية ملطخة، أبدان نحيلة و شعر طويل وجدت فيه الحشرات مكانا دافئا و اتخذت منه بيتا ثانيا… يمشون , لا يكلون ولا يملون…. يصرخون و يطلقون العنان لعبارات متشابكة المعاني تجسد لماض قاس عانوه قبل أن يفقدوا ذاكرتهم الحية ، فظلت تلك الجمل عالقة في أذهانهم .
في جولة صباحية تقوم بها داخل أزقة و شوارع مدينة بركان، أو في ساعة قد تصطدم بجسد شخص نائم أو متسرح أمام الرصيف، بعد ليلة طويلة قضاها في تناول المخدرات الرخيصة « السيلسيون  » أو ليلة أمضاها بسبب عدم تحمل جسده النحيل للفحات البرد القارس و زمهريره، وجوه اختفت ملامحها تحت أقنعة ترابية سحنهم تقريبا متشابهة و ملابسهم كذلك، لا يمكن التفريق بين الطفل و الطفلة أو بين المرأة و الرجل، إنهم المتشردون و المختلون عقليا .
أناس قسا عليهم الزمن، و تبدل حالهم بعد أن هربوا من الماضي المرّ من ظروف معيشية أملتها الحالة العائلية بسبب قسوة الأب أو الأم أو الزوجة الأب أو زوج الأم أو الجد أو الأعمام أو العمات أو أي شخص آخر، حين كانوا أطفالا صغارا أو بفعل فاعل للمختلين عقليا فقدوا هويتهم فصاروا بدون وجهة و لا هوية و لا ماض، بعد أن تعطل العقل فأصبح عاجزا عن أداء مهامه، معتقدين أن الشارع سيكون رحيما بهم، لكن العكس هو الذي حدث.
اليوم، لم يعد هناك لا أخ و لا أخت و لا أعمام و لا عمات. اليوم أصبح الشارع هو الأخ والأخت و الخال والعم… رجال و نساء اغتال الشارع حياتهم و جعل بعضا من النسوة أمهات رغما عنهن.
ببركان: للأطفال حصة الأسد
طفل أسود وجهه من فرط وجوده تحت أشعة الشمس، لوقوفه المتكرر تحت لهيب أشعة الشمس، و عند إشارات المرور للتسول , تعود على هذه الطريقة بعد هروبه من منزل جدته التي تكلفت بتربيته بمعية إخوته بعد طلاق والديه ورفض والده تحمل المسؤولية اتجاه أبنائه، في حين كل ما قامت به الأم ترك هؤلاء الأبناء لدى والدتها قبل أن تهاجر إلى إحدى الدول الخليجية.
فشل الطفل في التعليم، بسبب غياب دور الأسرة و تفككها، الظروف الأسرية السيئة نتيجة الطلاق، هي التي دفعته إلى الهرب بعد أن وجد الأرض خصبة نحو الشارع، فلا رقيب و لا حسيب.
طفل آخر جعل من شارع محمد الخامس مأوى و بيتا في أحد أركانه، لا ينتمي إلى عالم الطفولة بشيء سوى بحجمه، فشكله يبدو أكبر من سنه بكثير… عجوز بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يداه تدلان على أنّه قضى جزءا كبيرا من حياته تحت رحمة أشعة الشمس. بمجرد النظر إلى عينيه تدرك ما ناله هذا الطفل العجوز من ظلم و قهر و عذاب و اضطهاد المجتمع له.
طفل لا يتجاوز عمره أربعة عشر سنة، و مع ذلك فهو محروم من أي ذرة حنان، لا وجود لأم حنون في عالمه، و لا وجود لأب يوجهه للطريق السليم… لا يدرك معنى الأسرة، الشيء الوحيد الذي يعرفه تمام المعرفة هو الشارع.

المختلون عقليا … ماض منسي وحاضر غائب
يوم بعد يوم، نصادف في طريقنا وجوهنا نراها لأول مرة ببركان، متشردون ومختلون عقليا .
متشردون وجدوا ضالتهم في الشارع، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يمضون يومهم في النوم و البحث عن فتات خلفه بطن البركاني، فيقتسمونه مع الكلاب، و تارة يسابقونهم للقمامات وأماكن الأزبال و النفايات.
مختلون عقليا، مواضيع متشابكة و معاني مبهمة وأفكار مشتتة، و ماض منسي و حاضر غامض…

أسبـــــــاب مختلفــــة
تختلف الأسباب و العوامل التي يمكن أن تدفع بالمتشردين و المختلين عقليا إلى حياة الشارع، لكن الذي يجمع بينهم جميعا هو الفقر و افتقارهم للمهارات اللازمة للنجاح في حياتهم الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى افتقارهم إلى السيطرة على حياتهم وإلى انعدام قدرتهم على الاختيار.
ولا محالة أن يكون انفصال الوالدين في بعض الحالات أحد العوامل، فطلاق الوالدين يعرض الأبناء و العائلة برمتها للتشرد و الضياع بالضرورة، حتى وإن لم يقع الطلاق، فإن المشاكل الأسرية من بين العوامل المؤدية إلى جنوح بعض الأبناء نحو الشارع، فهم حساسون بطبعهم، و كل توتر يحدث داخل البيت يوثر سلبا على نفسيتهم فيجد بالشارع ملاذا له.
يبقى الهدر من بين العوامل، فكل المتشردين الذي نزلوا للشارع لم يكملوا تعليمهم في طفولتهم لسبب أو لآخر، حيث يصبح وقت الفراغ أطول والآفاق المستقبلية أضيق فينضمون بالتالي إلى قافلة التشرد .
وعلى الرغم من أن النسبة الغالبة من هؤلاء المتشردين هم من الذكور، فإن هناك تزايدا في عدد الإناث، و اللاتي يتعرضن للإيذاء و التحرشات الجنسية وأحيانا الاغتصاب.
مختلون عقليا تختلف الأسباب و المسببات التي كانت وراء فقدانهم لعقولهم، وأغلبها ترتبط بالعائلة لا سيما الزوجة و الخيانة، أوالسحر وفقدان الممتلكات…

تـــــــشرد وضــــــياع
إن خروج المتشرد في مرحلة متقدمة من عمره مثلا إلى الشارع، سيؤدي به حتما إلى الانحراف خصوصا أمام عدم وجود رادع، فمعظم المتشردين يتعاطون للتدخين و المخدرات الرخيصة و الكحول كذلك، و قد يعمدون إلى الجريمة عن طريق الاعتداء بالضرب أو السرقة. هم ضحايا ظروف معينة تختلف من متشرد لآخر و من مختل لمختل.
تزايدت في الشهور الأخيرة أعداد المشردات من الفتيات الصغيرات، أغلبهن خرجن إلى الشارع بسبب التفكك الأسري، أو أنهن قادمات من المناطق النائية أو جيء بهم و بهن إلى بركان، وأحيانا خرجن إلى الشارع بتشجيع أحد الوالدين لدفعهن إلى العمل أو التسول.
عادة ما تقول بعض هؤلاء المشردات أن  » زملاءهن  » المشردون يضعون عليهن حماية، و في نفس الوقت يعانين من مضايقتهم و تحرشاتهم الجنسية، وأحيانا يصرّ هؤلاء الذكور على ممارسة الجنس معهن، وفي أحيان كثير يتم ذلك رغما عنهن وأحيانا برضاهن.
هذه العلاقات تفضي غالبا إلى الحمل ثم الولادة في الشارع، و عادة ما يتعرض المواليد للوفاة أثناء الولادة، لأن الظروف التي تتم فيها غير ملائمة، وقد تتخلص بعضهن من الحمل بالإجهاض أو من المولود برميه في مكان ما بعيدا. لكن بعضهن يقدمن مواليدهن لأسر للتكفل بهم.

أيـــــــن الحـــــــل؟
إن المبادرة التي أعدتها وزارة التضامن و المرأة والأسرة و التنمية الاجتماعية  » مدن بدون أطفال الشوارع  » اعتمدت على آليات كفيلة بإنهاء استغلال الفتيات وأطفال الشوارع، حيث تدعو المبادرة إلى ضرورة خلق مؤسسات للدولة خاصة بالأطفال و الفتيات اللواتي تلفظهن الأسر.
كما يجب وضع مؤسسات خاصة بالمتشردين بدل جعلهم عرضة لأشعة الشمس، و زمهرير البرد القارس، و للمختلين عقليا لمساعدتهم على استعادة ماضيهم المشرق و الاعتناء بهم لأنهم جميعهم بشر مثلنا.

chamkara2

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.