
صباح الشرق / زكرياء ناجي
المتتبع للشأن المحلي بمدينة العيون سيدي ملوك يكاد يجزم أن المدينة دخلت مرحلة تدبيرية جديدة تتميز بالتسيير الأحادي و غياب المعارضة داخل المجلس البلدي ، و خير دليل على ذلك تصويت جميع الأعضاء بدون استثناء على الرئيس الجديد و “تهافت” البعض الأخر على تركيبة اللجان الدائمة و الامتيازات المقرونة بها ، و أخيرا التصويت على مشروع ميزانية 2022 بإجماع الحاضرين .
و بالرجوع إلى تركيبة المجالس السابقة المتعاقبة على تسيير المدينة طيلة العقود الثلاثة الماضية ، و التي كانت تضم “معارضة” تعلن عن نفسها من الوهلة الأولى و مطلعة على خبايا الملفات و استراتيجيات التسيير الإداري لكون العديد من مكوناتها معمرون قدامى بعضهم مارس الحكم واحترق بتدبيره و البعض الأخر راكم تجربة لا يستهان بها طيلة مسيرته السياسية . نجد المجلس الجماعي الحالي المنبثق عن انتخابات 08 شتنبر الماضي بدون معارضة تذكر ، و حتى إن وجدت فهي ضعيفة تفتقد للتجربة ( مع بعض الاستثناءات) و غير ملمة بالأدوار المنوطة بها و التي تكاد تكون أكبر من مهام التسيير ، على اعتبار أن المعارضة قوة اقتراحية وتوجيهية و رقابية مهمتها ضبط التسيير و تقويمه كلما حاد عن النهج السليم ، و ذلك بالنقد البناء و مقارعة الرأي بالرأي، والمشروع بالمشروع، والاقتراح بالاقتراح خدمة للصالح العام ، و هو أمر للأسف افتقدته المعارضة في كثير من الأحيان حتى في المجالس السابقة ، عندما حادت عن مهمتها الأسمى و بات همها الوحيد هو التشويش على عمل المكاتب المسيرة ( حادثة أوركسترا الملاعق داخل دورة المجلس البلدي ) ، أو البحث عن “إخفاقات” بعض المسيرين المرتبطة بقلة الدراية و التجربة و جرهم للقضاء ( حالة الرئيس خليد جابي و الكاتب مروان السعيدي نموذجا ) .
ضعف المجالس الجماعية وعدم قدرتها على تحقيق نهضة مدنها وقراها أصبح ظاهرة عامة تفشت في الآونة الأخيرة، وكان وقودها المصالح الشخصية والغياب التام للحكامة و التأطير السياسي ، وأيضا الغياب الكامل لاستراتيجيات التسيير الإداري والتقني بنكهة الابداع و البحث عن حلول لإشكالات التنمية .. ويتساوى في هذا الأمر الفريق الحاكم والفريق المعارض، فلا الحاكمون ضابطون لقواعد الحكم وإكراهاته ، ولا المعارضون متفهمون لأدوارهم الجسيمة في الرقابة و التوجيه … ، فالمجلس المتوازن المعطاء يستمد قوته من معارضته، التي تكون أقوى بتوجيهاتها و أفكارها ، والمجلس الضعيف يكون ضعيفا، ليس من حكامه فقط ، وإنما من ضعف و مرض معارضته بالامتيازات والمناصب و اللجان ، وهي الممارسات التي قتلت السياسة وفتكت بالسياسيين ، لأنها تضرب في العمق مبدأ المعارضة .
و إدا كانت الجماعات الترابية فضاءا لممارسة ديمقراطية القرب بامتياز هدفها الأساسي الاستجابة لمطالب وحاجيات وطموحات الساكنة ، فإن تهافت “الحاكمين وغير الحاكمين” على المناصب و اللجان الأكثر جذبا وإغراءا و الدروس المستقاة من الواقع السياسي والممارسة الانتخابية للجماعات الترابية تكشف في بعض الأحيان، عن أهداف أخرى غير معلنة، بعيدة كل البعد عن تلك المبادئ المشار إليها أعلاه ، فترى البعض يحرص على الفوز والظفر بالمنصب بكل الطرق والسبل بحيث لا يرى فيه إلا الامتيازات والتشريف وليس المسؤوليات والتكليف ، فلا غرابة من مثل هؤلاء أن يعملوا كل ما في وسعهم لإخراج قرارات تخدم مصالحهم الشخصية الضيقة سواء تلك المرتبطة بالاستثمار و العقار أو المتعلقة بالحصول على المعلومة الاقتصادية أو تلك المرتبطة بمعرفة الأراضي التي ستتحول إلى المجال الحضري، أو الصفقات وأشياء أخرى لا يتسع المجال لذكرها .
واقع جديد على ما يبدوا ستدخله مدينة العيون سيدي ملوك باسم “التوافق والتراضي” ، يتمركز فيه الجميع في دفة واحدة ، و هو ما ينسف أي مبرر مستقبلي من قبيل “المعارضة ما خلاتنيش نخدم” ، و يفرض على ربان السفينة و طاقمها مضاعفة الجهود لتغير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية نحو الأحسن ، خصوصا و أن حزب “الجرار” يتربع على رأس مجلس جهة الشرق و المجلس الإقليمي لتاوريرت بالإضافة لعدد من الوزارات الحيوية .. فهل سينجح الساهرون على الشأن المحلي بالمدينة في حسن تدبير المرحلة ؟؟ أم ستعاد نفس إخفاقات و انتكاسات التجارب الفاشلة السابقة ؟؟


