مأساة في قلب الليل بوجدة.. حين يُزهَق الحق في العلاج بين جشع المصحات وغياب الضمير المهني

Houcine Daoudi
2025-07-23T16:00:36+00:00
الجهوية
28 يونيو 2025

InCollage 20250628 155404116 copy   - www.sabahachark.com

صباح الشرق

في ساعات الليل القاتمة من يوم الأربعاء 25 يونيو 2025، عاش المواطن محمد الجمالي وعائلته فصول مأساة لا يصدقها عقل، حين أُحضر المرحوم محمد الجمالي إلى قسم المستعجلات بمصحة الضمان الاجتماعي بوجدة على الساعة الواحدة صباحًا، وهو يصارع أزمة قلبية حادة بسبب انسداد شرايين القلب، في سباق محموم مع الزمن لإنقاذ حياته.

كان الطبيب المداوم في قسم المستعجلات واضحًا مع عائلة المرحوم، حين أكد لهم أن «الحالة تستدعي تدخلًا عاجلًا وفوريًا، وإلا ستكون العواقب وخيمة».

وبينما كانت العائلة تخوض سباقاً مع الزمن لإنقاذ حياة فقيدها، اصطدمت بعائق صادم زاد من معاناتها؛ إذ توجهت إلى مصحة خاصة معروفة بمدينة وجدة، لتُفاجأ بمطالبتها بأداء مبلغ يقارب 7 ملايين سنتيم كشرط لاستقبال المريض.

غير أن الصدمة خفّت حدّتها حين أُبلغت العائلة لاحقاً بأن التكلفة ستتقلص إلى نحو 15 ألف درهم، بالنظر إلى انخراط الراحل قيد حياته في الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (CNOPS).

وإمعانًا في التعقيد، طالبت إدارة المصحة العائلة بتقديم شيك، وهو ما استجاب له شقيق الضحية، عبد العزيز الجمالي، على أمل تعويضه نقدًا مع إشراقة الصباح.

تم إدخال الفقيد إلى قسم الإنعاش، وعلى الساعة الثانية صباحًا طلبت الإدارة حضور الطبيبة المتخصصة في أمراض وجراحة القلب والشرايين. غير أن الصدمة كانت أشد وقعًا: الطبيبة رفضت المجيء في حينه، متعللة بأنها لن تلتحق إلا في الصباح بين السابعة والثامنة.

وبين شد الأعصاب وانتظار المستحيل، قضت العائلة بقية الليل في قلق مرير، إلى أن نزل عليهم الخبر كالصاعقة مع السابعة صباحًا: وفاة محمد الجمالي، بعدما خذلته أيادي من كان يفترض أن يكونوا ملائكة الرحمة.

ولأن المأساة لم تكن لتنتهي هنا، فقد كشف شقيق المرحوم، عزيز الجمالي، عن محاولاته اليائسة طيلة فجر ذلك اليوم، متنقلًا بين أربع مصحات أخرى في وجدة بحثًا عن أمل لإنقاذ حياة شقيقه، لكن الجواب كان صادمًا ومتواطئًا: العمليات لن تُجرى إلا في الصباح.

ويبقى السؤال الذي يصرخ في وجه كل مسؤول:
ما جدوى أقسام المستعجلات؟ وما قيمة المصحات والمستشفيات إن كانت تُغلق قلوبها وأبوابها أمام الحالات الطارئة في الليل؟ أين الأطباء المداومون؟ أين ضمير المهنة؟

إن حالات انسداد شرايين القلب تُعد من أكبر الطوارئ الطبية، وتتطلب تدخلًا جراحيًا عاجلًا خلال أقل من 6 ساعات لإنقاذ الحياة. لكن الذي حدث هو أن الأولوية في المصحة كانت لضمان التسبيقات والشيكات، بينما كانت روح المريض تُسلم إلى بارئها.

والأنكى أن الراحل كان، وعائلته، يستعدون في نفس اليوم لتنظيم حفل مناقشة بحث تخرج ابنته من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بوجدة… لكن فرحة التخرج تحولت إلى مأتم، واحتفال النجاح انقلب إلى مأساة ستظل محفورة في ذاكرة العائلة وضمير المدينة.

اليوم، يبقى الرأي العام متسائلًا ومصدومًا:
هل تستحق هذه الطبيبة شرف الانتماء إلى الجسم الصحي بعد هذا السلوك؟
ما مسؤولية إدارة المصحة ومالكيها الذين وضعوا المال قبل أرواح الناس؟
أين وزارة الصحة من مثل هذه الفواجع؟ وأين لجان التفتيش والمحاسبة؟

المرحوم محمد الجمالي، الذي أسلم الروح في تلك الليلة الحزينة، كان قيد حياته أستاذًا سابقًا لمادة التربية البدنية والرياضة بمؤسسة ابن باجة بوجدة، ومناضلًا معروفًا في صفوف حزب الاستقلال بمدينة وجدة، وقد رحل عن عمر يناهز 72 سنة، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا في نفوس أسرته وكل معارفه.

إنها مأساة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ما لم يُفتح تحقيق عاجل وشامل، وما لم يُعاد النظر في طريقة اشتغال المصحات الخاصة وأقسام المستعجلات، حماية لأرواح المواطنين وكرامة المهنة.

mohamed copy 900x1137 copy   - www.sabahachark.com

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.

التعليقات 5 تعليقات

  • عزيز المغربيعزيز المغربي

    إذا لم ينتبه المغاربة إلى خطورة هذا السلوك الذي يحكمه الجشع،و الذي أساسه خصخصة أو خوصصة قطاع الصحة، و لم يحتجوا ضدها ،إذا لم يدافعوا عن التعليم العمومي و الصحة العمومية، فإن هذه المآسي ستتكرر،. رحم الله الفقيد رحمة واسعة ،و ألهم أهله الصبر الجميل و إنا لله و إنا إليه راجعون

  • SaidSaid

    لا حول ولا قوة إلا بالله ، يجب تقديم شكاية رسمية :
    1.فتح تحقيق قضائي في النازلة لتحديد المسؤوليات.
    2.متابعة المصحة المعنية وكل من ثبت تورطه، بتهم تتعلق بالإهمال المؤدي إلى الوفاة، وخرق واجب تقديم الرعاية الطبية المستعجلة.
    3.اتخاذ الإجراءات التأديبية والمهنية في حق الطبيبة إن ثبت تقصيرها.
    4.إحالة الملف على الجهات المختصة لتعويض الضرر المعنوي والمادي الذي لحق أسرة الهالك.

  • وجدي غيور على مدينتهوجدي غيور على مدينته

    هذه الحالة تتكرر مرارا و تكرارا عبر ربوع الوطن. المواطن يتوجه للمستشفيات العمومية ولا يجد من يحري له مثل هذه العمليات الدقيقة و المستعجلة فيتم توجيجه للمصحات الخاصة التي أصبح همها الأول و الأخير إجبار عائلة المريض الذي يعاني الأزمة القلبية الحادة على ظفع مبلغ خيالي قبل إدخاله غرفة العمليات. و لكن ما جرى للمرحوم يعد سابقة حيث رفضت الطبيبة المختصة الحضور علما أن مثل هذه الحالة تتطلب تدخلا فوريا لا يقبل الإنتظار حتى ساعات الصبح الأولى لأن القلب يمكن أن يتوقف عن العمل في أية لحظة. هنا نسائل المسؤوليات فهي متعددة بدئا بمصحة الضمان الإجتماعي التي تقم بواجبها حيث لا تتوفر على طبيب مختص في القلب و الشرايين و ثانيا المصحة الخصوصية التي تسلمت المبلغ المالي قبل قبول استقبال المريض و ثالثا عدم حضور الطبيبة المختصة حين تم الإتصال بها. نطالب بفتح تحقيق في هذه النازلة و ترتيب الجزاءات في حق كل من ثبت تهاونه في أداء مهامه.

  • نعاس زهيرنعاس زهير

    هذه اللامبالاة بأرواح المواطنين لا يجب السكوت عنها. هذه الطبيبة لابد من محاسبتها قضائيا و شطبها من لائحة الأطباء.
    لقد فقدنا اخٱ و صديقا ومناظلا كرس حياته لإسعاد الناس من حوله.
    نطلب من الله أن يتغمد روح فقيدنا برحمته و أن يسكنه فسيح جنانه.
    نتقدم بالتعازي لعاءلة الفقيد. اللهم الهم الصبر على فراقه.
    لا اله الا الله و ان لله و انا اليه راجعون.

  • حلحال عبدالقادرحلحال عبدالقادر

    سبق أن عشت نفس المشكل مع مريضة بنفس المعاناة ابتداءا من مصحة الضمان الاجتماعي مرورا بالمستشفى الجامعي الذي مع الاسف هو ايضا غياب الطبيبة المختصة بل نصحني الطبيب بنقلها الى مصحة خاصة على وجه السرعة وذلك ماتم القيام به حيث طلب مني شيكا كضمان بثمانية ملايين سنتبم والعملية لم تجرى الا في الثمانية صباحا من طرف طبيبة مختصة تعمل في المستشفى الجامعي
    السؤال المطروح لماذا تم اتشاء المستشفى الجامعي هل ليتحول الى مركز مقاطعة