عبد المنعيم محسيني عضو المكتب السياسي.
منذ فجر الاستقلال تبنى المغرب استراتيجية ووطنية فلاحية كبرى لم يقتصر مداها على المدى القريب أو المتوسط، بل ما عايشناه ونعيشه يجعلنا مقتنعين أنها كانت استراتيجية ذات المدى البعيد، هدفها حماية الأمة المغربية من أزمات الماء والغذاء، وخلق توازن اجتماعي ينعم فيه الجميع بخيرات الوطن؛ فمنذ ذلك الفجر، بادر السلطان محمد الخامس طيب الله ثراه إلى تبني مخطط استرجاع الأراضي الفلاحية من المستعمرين بغية توزيعها الأراضي على المواطنين وتشجيعهم على تنمية الفلاحة الوطنية؛ وهو المخطط الذي واصل عليه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني، حيث تم توزيع الملايين من الهكتارات الفلاحية على المواطنين؛ بل وصاحب هذا المخطط بمخططات أخرى، منها ما يهدف إلى إصلاح الأراضي الزراعية، ومنها ما كان يهدف إلى توسيع مساحة الأراضي الفلاحية المسقية عبر سياسية بناء السدود وتوفير مياه السقي والمياه الصالحة للشرب؛ وهي المخططات التي لا زالت ثمارها تجنى إلى غاية يومنا، والتي بدون شك ستجينها حتى الأجيال المستقبلية؛ مما جعلنا نرث وسنورث كذلك لهذه الأجيال المقولة المأثورة: “ليس هناك إنسان يموت جوعا أو عطشا في بلد المغرب”.
ومن النتائج الفضلى لهذه المخططات، أنها مكنت من خلق فئة فلاحية وسطى داخل الأمة المغربية؛ فهمت أهداف هذه المخططات وعقدت العزم على الانخراط فيها، وعملت بحس وطني عالي جدا، ورابطت وثابرت وأحبت الأرضة الوطنية وانشغلت بها حتى ساهمت في إحيائها بزراعة الخضر والفواكه والحبوب والقطاني، وكان سلاحهم الجدية وتلاوة القرآن جماعة عندما ينتهون من أشغالهم الفلاحية والزراعية؛ حتى أصبح العالم يشهد أن الأمة المغربية بمنأى عن التعرض لأزمات المجاعة وندرة المياه؛ بل وحتى مشتقات الحليب الذي لا زالت العديد من الشعوب تعاني من ندرته وقلته حتى في عصرنا الحالي؛ فإن المنتوج الوطني عرف وفرة كبيرة منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي؛ ولم نشاهد اصطفاف المغاربة أمام محلات بيعها، على خلاف ما نشاهده لغاية اليوم في العديد من الدول التي لا زال مواطنوها يصطفون لساعات طويلة من أجل شراء لتر واحد من الحليب.
وسيرا على هذا النهج السديد، واصل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده تعزيز وتقوية الاستراتيجية الفلاحية الوطنية الكبرى التي عززها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بالعديد من المخططات الناجعة التي تستجيب لرهانات تتطلب سياسة مندمجة تستجيب في آن واحد لمختلف الإكراهات البيئية والمناخية والاجتماعية والاقتصادية. وهي المخططات الحديثة التي جعلت المغرب يحتل، خلال الألفية الثالثة، مكانة كمية ونوعية مهمة، على المستوى العالمي، في وقرة وجودة وتنوع الإنتاج الفلاحي المغربي.
وتتم الإشارة منها، على سبيل المثال لا الحصر، مخطط مواصلة توزيع الأراضي الفلاحية، عبر خلق وكالة التنمية الفلاحية، التي حسب إحصائياتها، فيما يخص الفلاحة التضامنية، تم إطلاق 989 مشروع لفائدة 730 ألف مستفيد وغرس 438.455 ألف هكتار؛ وفي مجال اقتصاد الماء، عرفت المساحة المجهزة بالتنقيط بالري توسعا ملحوظا بلغت 542 ألف هكتار عوض 128 ألف هكتار سنة 2008.
وكذلك مخطط المغرب الأخضر الذي أكد جلالة الملك محمد السادس على أهميته في خطابه السامي الموجه للأمة المغربية بمناسبة الذكرى 61 لثورة الملك والشعب، والذي قال فيه جلالته: ” وعلى سبيل المثال، فقد ساهم مخطط المغرب الأخضر ومخطط أليوتيس في حصول المغرب على جائزة المنظمة العالمية للأغذية والزراعة، لبلوغ أهداف الألفية، المتعلقة بمحابة الفقر والمجاعة سنتين قبل الموعد المحدد لها. وذلك لما يقومان عليه من توازن بين المشاريع الكبرى ذات المردودية العالية، وبين تشجيع الفلاحة المعاشية والتضامنية، والصيد التقليدي، واعتبارا لدورهما في تحسين الدخل بصفة عامة”.
هذا المخطط الذي تم تتويجه بمخططات عصرية ناجعة، كمخطط تحلية مياه البحر لمواجهة سنوات الجفاف، بما يمكن من ضمان وفرة مياه السقي ومواصلة سياسة توسيع مجال الفلاحية المسقية؛ وكذلك مخطط الجيل الأخضر 2020-2030، الذي تمت تسميته بالاستراتيجية الجديدة للقطاع الفلاحي، والتي وضعت التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، أهدافها الواضحة الدقيقة والمستلهمة من خطابه الملكي السامي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الثالثة من الولاية التشريعية العاشرة بتاريخ 12 أكتوبر 2018؛ والذي قال فيه جلالته : “غايتنا انبثاق وتقوية طبقة وسطى فلاحية وجعلها عامل توازن ورافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية على غرار الدور الهام للطبقة الوسطى في المدن. وإننا ندرك ما تعرفه الأراضي الفلاحية من تقسيم متزايد مع ما ينتج عن ذلك من ضعف في الإنتاجية، كما أن استقرار الشباب بأرضهم رهين بتمكينهم من فرص الشغل.”
إلا أنه ورغم هذه التوجيهات الملكية السامية الهادفة إلى الاعتناء بالطبقة الفلاحية الوسطى، وحماية الأراضي الفلاحية من التقسيم، لما يترتب عنه من ضعف في الإنتاجية؛ فإن الملاحظ أن بعض المشاريع العمومية تبرمج عكس مخططات الاستراتيجية الفلاحية الوطنية الكبرى، ومن شأن إنجازها أن يضعف ويقوض أهدافها وغاياتها العليا؛ ومثل ذلك ما يجري في إقليم بركان حاليا بشأن مشروع تصميم التهيئة لبركان الكبرى بإقليم بركان ذي المراجع: 01/AUO/PA/2021؛ الذي جاء مناقضا تماما للتوجيهات الملكية السامية الهادفة إلى حماية الطبقة الفلاحية الوسطى، وتفادي مخاطر تعريض الأراضي الفلاحية للتقسيم والتجزئة، على النحو الذي يضعف إنتاجيتها وجودة وتنوع محاصيلها.
ودون التعريف بالخصوصية الفلاحية لإقليم بركان التي تندرج أراضيه ضمن سهل تريفة، الذي يتميز بجودة وتميز تربته الصالحة للفلاحة؛ وهو الأمر الذي جعل الاستراتيجية الفلاحية الوطنية الكبرى للدولة توليه اهتماما كبيرا في مخططاتها منذ فجر الاستقلال وإلى غاية يومنا هذا؛ حيث تم توزيع الآلاف من الهكتارات الفلاحية، كما تم ربط الجزء الكبير من هذه الأراضي من قنوات الري المستمدة من سد مشرع حمادي، والذي يلعب دورا كبيرا في سقي الأراضي الفلاحية التابعة للعديد من أقاليم جهة الشرق، وتزويد ساكنتها من الماء الصالح للشرب؛ ذلك فضلا عن تحديث وعصرنة الإنتاج الفلاحي؛ حيث أنفقت الدولة اعتمادات مالية كبيرة، لإنجاز قنوات الري وإصلاح الأراضي وجعلها قابلة للفلاحة، عن طريق المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي الذي يوجد مقره بإقليم بركان.
وكنتيجة لهذه المخططات الفلاحية التي تم اعتمادها منذ فجر الاستقلال وإلى غاية يومنا هذا، اشتهرت سهول تريفة التابعة لإقليم بركان بتطور كبير على مستوى وفرة وجودة وتنوع محاصيلها الفلاحية، خاصة على مستوى الحوامض التي تحتل جودتها المكانة الرائدة عالميا، فضلا عن باقي المحاصيل الأخرى، والتي تنوعت وتطورت إلى أن أصبحت تمتد إلى غاية الفواكه الحمراء.
فرغم هذا الرصيد التاريخي للتراكمات والمنجزات الفلاحية التي تميز بها إقليم بركان، فإنه في السنوات الأخيرة من العشرية الثانية والجارية من الألفية الثالثة، ظهرت العديد من الأزمات التي مست خاصة الفئة الفلاحية الوسطى بالإقليم، والتي أدت إلى تكبد هذه الأخيرة خسائر مالية كبيرة، دفعتها إلى اجتثاث حوالي 20 ألف هكتار من أشجار الكليمنتين؛ وقبل أن تستفيق هذه الفئة الفلاحية الوسطى من هذه الأزمات حتى فوجئت بما ينتظرها من أزمات أخرى سيرتبها مشروع تصميم التهيئة الحالي، حيث تمت برمجة العديد من المشاريع العمومية، خاصة خطوط السكة الحديدة وشبكات طرقية عديدة، من شأنها أن تعرض هذه الفئة إلى الضياع والتشرد، كما ستؤدي إلى تقسيم وتجزيئ الآلاف من الهكتارات المغروسة بأشجار الكليمنتين للتقسيم والتجزئة، على النحو الذي سيضعف من إنتاجيتها، وتبعا لذلك إهدار الاستثمارات العمومية التي أنفقت من أجل إدماجها ضمن نطاق الأراضي المسقية، وتحديث وعصرنة آليات إنتاجها.
هذا الأمر الذي رتب استنكارا كبيرا لدى فئة عريضة من الفلاحين الصغار والمتوسطين، كما لقي تنديدا ورفضا من طرف مجموعة من المتخصصين والمهتمين بالقطاع الفلاحي؛ خاصة وأن تصميم التهيئة السابق المنتهية مدته كان يبرمج هذه المشاريع العمومية المرتبطة بخطوط السكة الحديدة وشبكة الطرقات المدارية، المؤدية إلى الخروج والدخول من وإلى مدينة بركان، ضمن الأراضي البورية؛ وهو ما يفرض التساؤل حول من يسير عكس الاستراتيجية الفلاحية الوطنية الكبرى للدولة بإقليم بركان؟



