صباح الشرق
التقسيمات العقارية خارج الإطار القانوني بالعيون سيدي ملوك،باعتبارها تشغل وعاءا عقاريا مهما من الأراضي الجماعية أو أملاك الدولة، لا يمكن اختزالها في مجرد اختلالات إدارية أو تجاوزات تقنية، بل الأمر يعكس أزمة عميقة في تدبير أراضي الجماعات السلالية، حيث تتقاطع خروقات التعمير مع منطق الريع والحسابات السياسية الضيقة.
فأراضي الجماعات السلالية، بحمولتها القانونية والاجتماعية، يفترض أن تكون محصنة ضد التفويت والتجزئة غير المشروعة، باعتبارها ملكا جماعيا يخضع لوصاية وزارة الداخلية ولضوابط صارمة.
غير أن الواقع يكشف عن ممارسات خطيرة تجزأ فيها هذه الأراضي إلى بقع صغيرة، ويروج لها بوثائق تفتقر لأي سند قانوني، داخل مجالات مشمولة بوثائق التعمير، في انتهاك مزدوج لقوانين التعمير وللنصوص المنظمة للأراضي السلالية.
والأخطر أن هذه الخروقات لم تعد استثناءات معزولة، بل تحولت إلى نمط متكرر يفرض كأمر واقع،بأغلبية أحياء المدينة،خصوصا تلك التي أنشأها منتخبون و لوبي العقار،بما يوحي بأن هناك من يتغاضى، أو يتواطأ، أو على الأقل يختار الصمت، وهو وضع يطرح أسئلة محرجة حول حدود المراقبة الإدارية، وحول الجهات التي يفترض بها حماية الملك السلالي من الاستنزاف والمضاربة.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن التوظيف الانتخابي المفضوح للبناء العشوائي فوق أراضي الجماعات السلالية. ففي عدد من الحالات، يتحول غض الطرف عن التقسيمات غير القانونية والتوسع العمراني الفوضوي إلى عملة انتخابية، تستثمر لاستمالة الأصوات وبناء قواعد انتخابية على حساب القانون. هذا التساهل المقصود يحول الخرق إلى أداة سياسية، ويجعل من احترام القانون متغيرا خاضعا لموازين الربح والخسارة الانتخابية، في ضرب مباشر لمبدأ المساواة أمام القانون، وتقويض لثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
إن نتائج هذا التوظيف السياسي لا تتوقف عند حدود تشويه المشهد العمراني، بل تمتد إلى تعميق الهشاشة الاجتماعية، وحرمان الساكنة من الاستفادة الجماعية من الأراضي، وخلق بؤر عمرانية تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم. ومع مرور الوقت، تجد الدولة والجماعات الترابية نفسها أمام واقع مفروض، تجبر فيه على ضخ استثمارات عمومية لتدارك فوضى لم تكن يوما نتاج تخطيط عقلاني، و إنما نزوة عبدة التراب لمراكمة الثروة و الحصول على النفوذ.
الأكثر خطورة هو أن استمرار هذا الوضع يفرغ سياسات محاربة البناء العشوائي من محتواها، ويجعل الخطاب الرسمي حول الحكامة والتخطيط الحضري مجرد شعارات. فحين يكافأ الخرق بالصمت، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، تصبح المحاسبة فعلا مؤجلا، إن لم يكن غائبا بالكامل.
إن استنفار وزارة الداخلية اليوم يكتسي أهمية خاصة، لكنه يظل غير كاف ما لم يترجم إلى قرارات صارمة، تحدد المسؤوليات بوضوح، وتقطع مع منطق الإفلات من العقاب، وتغلق الباب أمام أي توظيف سياسي لأراضي الجماعات السلالية. فهذه الأراضي ليست خزانا انتخابيا ولا وعاء للمضاربة، بل رصيدا جماعيا واستراتيجيا، وأي تفريط فيه هو تفريط في العدالة المجالية، وفي مصداقية الدولة، وفي حق المدن والقرى في تنمية عمرانية متوازنة ومحكومة بالقانون.



