صباح الشرق
إذا أردت أن تختبر مهاراتك في القفز، والتوازن، وتقدير المسافات، فلا حاجة لك بصالات رياضية أو دورات تدريبية بملعب للقرب، يكفي أن تخرج إلى زقاقك.. فالحفر هنا لم تعد خللا عارضا، بل صارت معالم حضرية ثابتة، لها تاريخ وجغرافيا، وبعضها أصبح أقدم من مشاريع الإصلاح نفسها.
في هذه المدينة، لا يتم إصلاح الطرق، بل تعاد صياغتها كألغاز،حفرة ترقع صباحا لتتوسع مساء، وأخرى تختفي أيام الانتخابات ثم تعود أكثر عمقا بعد فرز الأصوات. أما المواطن، فقد تحول إلى سائق اختبارات، وراجل محترف في تفادي السقوط، ومشاهد دائم لفيلم عنوانه: “الصيانة المؤجلة إلى إشعار غير معلوم”.
وبين حفرة وأخرى، تستقبلك النفايات المنزلية والمهنية بابتسامة عفنة.. أكياس قمامة تتنقل بحرية، مخلفات ورشات قررت أن الشارع هو أقرب مطرح، ونفايات مهنية تمارس حقها الكامل في احتلال الملك العمومي، دون رخصة ودون حياء.
الغريب أن هذه النفايات لا تأتي وحدها، بل مرفوقة بخطاب جاهز: “المواطن غير واع”، وكأن النفايات تسير على أقدامها وترمي نفسها بنفسها، بينما الشاحنات تحت رحمة الأعطاب، والمراقبة في سبات، والمحاسبة في إجازة طويلة الأمد، لتبقى النفايات ضيفا دائما بلا موعد مغادرة
على الورق، كل شيء “ناضي” : لجان تتبع، اجتماعات، تقارير، وصور تذكارية..على الأرض، حفرة تكبر، وحي يختنق، ومدينة تدار بمنطق “دبر راسك”،و إن علقت أو اشتكيت فتهمتك جاهزة، “تصفية حسابات، أو محاولة ابتزاز”
الأشغال تنجز بلا تنسيق، تفتح الطريق اليوم لتحفر غدا، وتعاد الحفرة نفسها وكأنها تحيى كل مرة بافتتاح رسمي غير معلن.
أما شاحنات التجميع، فتشتغل بمنطق الحد الأدنى، طالما لا أحد يسأل، ولا أحد يحاسب، ولا أحد يرى، أو هكذا يفترض.
المواطن هنا ليس مستفيدا من الخدمات، بل ضحية جانبية. سيارته تتضرر، صحته تتأثر، أعصابه تستنزف، ثم يطالب بالصبر والمواطنة الإيجابية. يقال له: “بلغ”، لكنه بلغ حتى مل البلاغ، ويقال له: “اصبر”، لكنه لم يجد من يشاركه روائح القرار.
الأخطر أن هذا الوضع لم يعد محرجا، التعايش مع الحفر صار ثقافة، والتأقلم مع النفايات صار مهارة حياتية، وكأن المدينة فقدت ذاكرتها وحياءها في آن واحد،ليتحول السؤال،من استفهام، لماذا انتشرت الحفر والنفايات؟ إلى من المستفيد من استمرارها؟ ومن يحمي هذا العبث باسم التدبير الجماعي؟
هذه ليست دعوة للتشاؤم، بل لتسمية الأشياء بمسمياتها، فمدينة تدار بلا صيانة حقيقية، وبلا مراقبة، وبلا محاسبة، لا تحتاج إلى مزيد من الغيابات و الشعارات، بل إلى صدمة.
صدمة توقظ المسؤول من سباته، وتذكره أن الحفر ليست قدرا، وأن الأزبال ليست جزءا من الهوية المحلية، وأن صبر المواطنين، مهما طال، ليس حفرة بلا قاع



