صباح الشرق
مع اقتراب انتخابات 2026، يبدو حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الشرق وكأنه ضائع في متاهات ذاته، أكثر انشغالا بأزماته الداخلية من أي اهتمام فعلي بمواجهة خصومه، فالحزب الذي دخل الجهة يوما باعتباره قوة اقتحام وتحديث، تحول اليوم إلى تنظيم متردد، فاقد للنفس، يكتفي بمراقبة الفراغ والتآكل بدل ملئه وإيقافه.
المعطيات المتداولة حول حسم الحزب لما يقارب 90٪ من ترشيحاته تكشف عن دينامية داخلية غير مسبوقة، تعكس صراعا صامتا بين منطق الاستمرارية ومنطق القطيعة مع المرحلة السابقة،و اللافت أن القيادة الجديدة اختارت إبعاد أغلبية وجوه المرحلة السابقة، فيما اعتبر خطوة رمزية تهدف لإغلاق صفحة أثقلت الحزب بتناقضاته وأضعفت حضوره الانتخابي، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالا جوهريا.. هل نحن أمام تجديد حقيقي للنخب، أم مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل نفس البنية الاجتماعية والسياسية؟
المؤشرات توضح أن الحزب يراهن على رجال الأعمال والأعيان المحليين، الذين يمثلون حوالي 90٪ من المرشحين، مستثمرا النفوذ المالي والشبكات المحلية لضمان نتائج ملموسة في دوائر تنافسية..هذا التوجه، رغم براغماتيته الانتخابية، يعيد إلى الواجهة الإشكالية البنيوية للحزب..ضعف الاستثمار في الكفاءات الحزبية المنبثقة من العمل القاعدي، مقابل اعتماد “المرشح الجاهز انتخابياً”، ما قد يمنح مكاسب قصيرة الأمد لكنه يهدد قدرة الحزب على بناء خطاب سياسي متماسك وتمثيلية حقيقية على المدى المتوسط.
غياب عبد النبي بعيوي، الرئيس السابق لمجلس الجهة، كشف هشاشة البناء التنظيمي للحزب، إذ القوة الحقيقية لم تكن في المؤسسات ولا البرامج، بل في شخص واحد كان يمسك بخيوط القرار. ومع استمرار أطوار محاكمته، وجد الحزب نفسه غارقا في فراغ تنظيمي، تحول فيه الصمت والتريث إلى سياسة، وهو ما وضع كل ادعاءات التحديث والقيادة الجماعية في مرمى الاستفهام.
عدم الحسم النهائي في دوائر كبرى مثل الناظور ووجدة، يعكس حساسية هذه المناطق، حيث تتقاطع الحصيلة التنظيمية مع التوازن الاجتماعي والرمزية السياسية.. هذا التردد يكشف عن صراع داخلي بين من يميل إلى الأسماء “المضمونة” ومن يرى ضرورة المجازفة بوجوه جديدة لاستعادة ثقة قواعد فقدت ارتباطها بالحزب خلال السنوات الأخيرة.
جهة الشرق، بشكل خاص، تكشف عن تململ واضح داخل التنظيمات المحلية، لا يقتصر على خلافات شخصية بل يعكس تقييما سلبيا لحصيلة المنتخبين، الذين اتهموا بعدم مواكبة انتظارات الساكنة وضعف التفاعل مع قضايا التنمية المحلية.. الضغط المحلي دفع القيادة الوطنية إلى التريث،في محاولة لتفادي إعادة إنتاج نفس الأسماء، وربما فتح الباب أمام تغييرات مفاجئة تصحح المسار أو تمتص الغضب الداخلي.
المواطن في جهة الشرق لم يعد يشعر بأي تغيير، بل شاهد حزبا اندمج في منطق التدبير اليومي الضيق، حيث المصالح الصغيرة تتقدم على القضايا الكبرى، وحيث السياسة تفرغ من معناها الاجتماعي وتتحول إلى أرقام انتخابية بلا روح.
الساكنة، التي راهن الحزب عليها سابقا، تراقب اليوم بصمت قاتل، مسجلة خيباتها، وتهيئ نفسها لمرحلة قد تنسحب فيها قواعد الحزب نحو بدائل أكثر وضوحا وجرأة.
إن انتخابات 2026 ليست محطة عادية للأصالة والمعاصرة بالشرق.. إنها لحظة الحقيقة، لحظة الحساب، إما قطيعة حقيقية مع سياسة الفراغ وتدوير الوجوه نفسها، أو استمرار أفول بطيء لحزب فقد شجاعته، وأضاع معناه، وتحول من قوة اقتحام وحداثة سياسية إلى عبء على من يحمله، وعلى المشهد السياسي .



