صباح الشرق
إقليم تاوريرت يتجه نحو محطة انتخابية وهو مثقل بإرث ثقيل من التمثيل الباهت داخل مجلس جهة الشرق..سنوات من الحضور الشكلي لممثلي الإقليم جعلت المواطن يتيقن أن صوته لا يتجاوز حدود صندوق الاقتراع، وأن ما بعد التصويت لا يحمل سوى الصمت وتبرير العجز، لا أثر فعلي لمشاريع كبرى، ولا دفاع صلب عن أولويات الجماعات الهشة، ولا قدرة على فرض ملفات الإقليم داخل مؤسسة يفترض أنها رافعة للإنصاف المجالي، لا منصة لتوزيع الصمت بالتساوي.
هذا الفشل المتراكم لم يعد مجرد تقييم سياسي، بل أصبح عاملا حاسما في رسم ملامح الانتخابات المقبلة، فالمزاج العام في إقليم تاوريرت يتجه بوضوح نحو الشك، والعزوف، أو التصويت العقابي، بعدما ترسخت قناعة مفادها أن المشاركة السياسية لم تعد تصحح الاختلالات، بل تعيد إنتاجها بوجوه مختلفة. كل إخفاق غير محاسب، وكل ممثل غائب عن هموم المواطنين، يدفع بالعملية الانتخابية خطوة إضافية نحو فقدان معناها الديمقراطي.
في هذا السياق المأزوم، يظل رهان أحزاب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة و الاستقلال مرتبطا بمدى جرأتهم على القطع الحقيقي مع منطق الوجوه المستهلكة،ما دامت الإمكانات التنظيمية والانتخابية تسمح بذلك، لكن الزلة تكمن في السقوط مجددا في فخ إعادة تدوير أسماء ارتبطت بالفشل أو بالصمت داخل المؤسسات.
وحدها وجوه جديدة، ذات كفاءة ميدانية ومصداقية محلية، قادرة على تحويل الانتخابات من محطة تصفية حسابات إلى فرصة محدودة لاسترجاع الثقة،أما الاكتفاء بتغيير اللافتات الحزبية دون تغيير المنهج، فلن يكون سوى خدعة انتخابية قصيرة النفس.
غير أن المعضلة الأعمق لا تتوقف عند الأحزاب الكبرى وحدها، بل تتجسد في جدلية فرض الأعيان والنفوذ المالي التي ما تزال تتحكم في مفاصل اللعبة الانتخابية بالإقليم، فكلما اقترب موعد الاستحقاقات، عاد منطق المال والعلاقات والنفوذ ليطفو على السطح، فارضا أسماء بعيدة عن الكفاءة وقريبة من شبكات المصالح. هذا المنطق لا يفرغ الانتخابات من مضمونها فحسب، بل ينسف أي أمل في التغيير، ويحول التنافس السياسي إلى سباق غير متكافئ، يقصى فيه الفاعل الجاد لصالح من يملك القدرة على الحشد المالي لا الرؤية التنموية.
في المقابل، تحاول باقي الأحزاب استغلال هذا الفراغ التمثيلي وتآكل الثقة، لكنها بدورها مهددة بالسقوط في نفس المستنقع إذا لم تحسم موقفها من منطق الأعيان والوجوه الجاهزة، فالمواطن في إقليم تاوريرت أعياه تعب المراهنة على الحزب، و ينتظر إعطاء الفرصة لكل قادر على الفعل والمساءلة،إذ أي حزب يعيد إنتاج نفس الوجوه أو يراهن على المال، من المنتظر أن يصطدم بجدار الرفض ، مهما رفع من شعارات التغيير.
بهذا المعنى، تبدو الانتخابات المقبلة في إقليم تاوريرت اختبارا حاسما لا للأحزاب فقط، بل لمنظومة التمثيل برمتها، إما إعطاء مسافة الأمان مع منطق الفشل، الأعيان، والمال الانتخابي، وإما إعادة إنتاج نفس المشهد بوجوه مختلفة، ونتائج واحدة، وخاسر دائم هو المواطن.
في ظل هذا الواقع، لم يعد السؤال هو من سيفوز بالمقاعد، بل هل ما تزال الانتخابات قادرة على إنتاج أمل سياسي حقيقي، أم أنها أصبحت مجرد آلية لإعادة توزيع النفوذ؟



