صباح الشرق
في الجماعات التي تنشد التنمية، يشكل العقار قاعدة استثمار، وفي الجماعات التي تفتقد الرؤية، يتحول العقار إلى مستنقع للريع والفوضى وتصفية الحسابات.. وما يحدث اليوم في ملف الأوعية العقارية التابعة للجماعات السلالية وأملاك الدولة، ليس سوى مرآة صادقة لرداءة التدبير المحلي، حيث يدفع المستغلون الثمن، بينما يتقاسم السماسرة والمنتخبون الهامش الرمادي للسلطة.
تضرر المستغلين لم يعد معطى في هامش التقارير الإدارية، بل أصبح واقعا يوميا للعديد من الأسر التي تعيش فوق أراض بلا صكوك قانونية، بلا حماية، وبلا أفق.. هؤلاء لا يستطيعون تملك استغلالياتهم، ولا رهنها، ولا الاستثمار فيها، وكأن الجماعة قررت أن تتركهم معلقين بين السماء والأرض، بلا حقوق واضحة وبلا ضمانات.
القانون موجود، والنصوص واضحة، والاختصاصات محددة، لكن الإرادة السياسية غائبة..الجماعة التي يفترض فيها أن تكون قاطرة الحكامة المحلية، تحولت في كثير من الحالات إلى غرف انتظار طويلة، حيث ترحل الملفات الثقيلة، ويترك العقار رهينة حسابات انتخابية ضيقة، أو رهينة لوبيات عقارية تعرف كيف تستثمر في الغموض أكثر مما تستثمر في الإسمنت.
الغموض في وضعية الأوعية العقارية ليس صدفة إدارية، بل هو تربة خصبة للريع..حين لا تكون الملكية واضحة، تصبح المعلومة سلطة، ويصبح النفوذ عملة، وتصبح الأرض ورقة انتخابية.. هنا تتحول الجماعة من مؤسسة تدبير إلى منصة توزيع امتيازات، ومن فضاء لتنزيل القانون إلى تربة خصبة لصفقات خلف الكواليس.
الأمن العقاري ليس رفاهية قانونية، بل هو شرط أولي للتنمية.. لا استثمار بدون وضوح في الملكية، ولا سكن كريم بدون صك قانوني، ولا اقتصاد محلي بدون ثقة في الأرض.. وكل يوم يتأخر فيه المجلس الجماعي عن تسوية الأوعية العقارية، هو يوم إضافي يمنح فيه الريع فرصة جديدة، ويسحب فيه من المواطن حقه في الاستقرار.
المفارقة أن الدولة سنت قوانين لتحديث تدبير الأراضي السلالية وأملاك الدولة، لكن التنزيل ظل رهين عقلية تدبيرية تقليدية، ترى في العقار ملفا ثانويا، بينما هو في الحقيقة قلب السياسة المحلية.. فمن يتحكم في الأرض، يتحكم في السياسة والاقتصاد والانتخابات.
المطلوب اليوم ليس تسويفات للمستغلين ولا تصريحات صورية، بل قرارات سياسية شجاعة، تضع تسوية الأوعية العقارية في صدارة الأولويات، وتفتح الملفات على ضوء الشمس، وتكسر شبكة المصالح التي تتغذى على الغموض.. فالعقار ليس قدرا، والفوضى ليست قانونا طبيعيا، بل نتيجة مباشرة لقرارات بشرية يمكن تغييرها.
وفي انتظار أن يقرر المنتخبون الخروج من منطقة الراحة، سيظل مستغلون يدفعون ثمن الصمت،و آخرون ينتظرون ربط مساكنهم بشبكة الماء و الكهرباء، أو توزيع الأنصبة،وستظل الأرض تدار بمنطق النفوذ بدل منطق القانون، وستظل التنمية وعدا مؤجلا على رف الخطابات و الوعود الانتخابية.



