صباح الشرق / SABAHACHARK
نعيش في هذا الوطن منذ سنوات على إيقاع أزمات متلاحقة، وكأن الجغرافيا تختبرنا بلا هوادة؛ مرة بالزلزال، ومرة بالمطر، ومرة بثلج يعزل قرى بأكملها عن العالم.
من زلزال الحوز الذي خطف الأرواح وترك القرى تحت الركام، إلى فيضانات آسفي، وصولا إلى القصر الكبير ومناطق الشمال والغرب حيث أُفرغت المدن من سكانها خوفا من الماء، تتبدل الأسماء وتبقى المأساة واحدة؛ وطن يتفاجأ كل مرة بما كان يفترض أن يستعد له منذ زمن.
الحقيقة أن الطبيعة لا تفاجئ احدا، المطر ينزل كل عام، والثلج يعود كل شتاء، والأرض تهتز منذ آلاف السنين.
الذي يفاجئنا هو هشاشتنا نحن، فالكارثة لا تبدأ حين يفيض الوادي أو يسقط الجدار، بل تبدأ حين نؤجل التخطيط، ونؤخر الإصلاح، ونكتفي بالمسكنات.
تبدأ حين تتحول السياسة إلى تدبير يومي للطارئ بدل أن تكون بناء طويل النفس للمناعة والوقاية.
اليوم، لا تزال هناك قرى تحاصرها الثلوج اياما وأسابيع، معزولة عن الطرق والمستشفيات والمدارس.
لا تزال نساء يلدن في الجبال والقرى المعزولة، و في الطرقات، وامام أبواب المستشفيات، ومواطنون يُنقلون على ظهور الدواب بحثا عن علاج، وكأن الزمن توقف عند قرون مضت.
لا تزال مدن كاملة تبقى أياما بلا ماء، بلا خدمات، وبلا حضور فعلي للدولة. هذه ليست صورا من الماضي، بل من حاضرنا القريب، من نشرات الأخبار ومن شهادات الناس.
والمفارقة المؤلمة أننا لسنا بلدا فقيرا إلى هذا الحد، لقد استثمرنا كثيرا، لكن بميزان أولويات مقلوب.. بنينا ملاعب عالمية لا تؤثر فيها الأمطار ولا الرياح، وتستطيع أن تصمد ساعات طويلة امام قوة الأمطار، و طرقا واسعة ومنشآت ضخمة، واجهات تليق بالكاميرات.
وفي الوقت نفسه، عجزنا عن حماية أحياء من الغرق، وعن تعبيد مسالك لقرية في الجبل، وعن بناء مستوصف بسيط ينقذ حياة امرأة في المخاض، كأننا أتقنا فن تجميل الصورة، وأهملنا جوهر الحياة نفسها.
المشكلة ليست فقط في قلة الإمكانيات، بل في ميزان أولويات مقلوب، حين تصبح المشاريع الاستعراضية أهم من البنيات الأساسية، وحين يُقاس النجاح بعدد الصور لا بعدد الأرواح التي تم إنقاذها، فإننا لا نبني دولة قوية، بل واجهة هشة.
الدولة القوية هي التي تضمن الماء قبل العشب، والمستشفى قبل المدرج، والمسلك القروي قبل المنصة الشرفية. هي التي تجعل كرامة المواطن شرطا لكل مشروع، لا تفصيلا يمكن تأجيله.
ومع ذلك، فإن الخطاب اليوم لا ينبغي أن يوجه إلى الدولة وحدها، بل إلى كل الضمائر الحية والقوى الفاعلة في هذا الوطن. فالمجتمع أيضا شريك في المسؤولية، ومعني بإعادة التفكير في اختياراته، في صوته، وفي مطالبه.
الأزمات الكبرى لحظات تأسيسية؛ إما أن نمر منها كما مررنا من غيرها، ننسى ونعود إلى العادة، أو نجعل منها فرصة حقيقية لإعادة ترتيب أولوياتنا جذريا؛ ماذا نريد فعلا ؟ ما الذي يستحق أن يُصرف عليه المال العام؟
وما الذي يمكن تأجيله بلا خسارة ؟ أي نموذج تنموي نبحث عنه، وأي وطن نريد أن نورثه لأبنائنا؟
ربما تكون هذه اللحظة، بكل ألمها، دعوة صريحة للتصالح مع واقعنا، لا بالاستسلام له، بل بمواجهته بصدق. أن نعترف أن لدينا أعطابنا عميقة، وأن الإصلاح الحقيقي ليس خطابا ولا حملة ظرفية، بل عملا تراكميا طويلا يضع الإنسان اولا، دائما وأبدا. إصلاح يبدأ من القرية قبل المدينة، ومن المدرسة قبل الواجهة، ومن المستشفى قبل المنصة.
الوطن لا يحتاج مزيدا من الزينة، بل مزيدا من العدالة في التوزيع، ومزيدا من الإنصات للهوامش، ومزيدا من الحكمة في ترتيب الأولويات.
يوم نصبح قادرين على حماية قرية من الثلج، ومدينة من الغرق، وأسرة من فقدان العلاج، يومها فقط يمكن أن نقول إننا تعلمنا حقا من الكوارث، وإن هذا الوطن بدأ يضع أبناءه قبل كل شيء.



