دورية النيابة العامة بين إلزامية النص و إكراهات التطبيق.. نحو إعادة ضبط منطق الاعتقال الجنائي

daoudi
آخر الأخبارالوطنية
9 فبراير 2026

IMG 20260209 WA0099  - www.sabahachark.com

صباح  الشرق

أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية جديدة تؤطر مرحلة استنطاق المشتبه فيهم، وتعيد التأكيد على مجموعة من الضمانات الجوهرية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية، خاصة بعد التعديلات التي جاء بها القانون رقم 03.23.

وتكتسي هذه الدورية أهمية خاصة باعتبارها تلامس إحدى أكثر مراحل الدعوى العمومية حساسية، وهي مرحلة اتخاذ القرار بشأن الحرية أو الاعتقال.

من حيث المبدأ، تنسجم الدورية مع فلسفة الدستور ومع المبادئ الكونية للمحاكمة العادلة، حينما تؤكد على قرينة البراءة والطابع الاستثنائي للاعتقال الاحتياطي، وعلى إلزامية تعليل قرارات الإيداع بالسجن، وتفعيل بدائل المتابعة من قبيل الصلح الزجري والمراقبة القضائية.

كما تعيد التذكير بالحقوق الأساسية للمشتبه فيهم منذ لحظة الإيقاف، وعلى رأسها الحق في الصمت، والاتصال بالمحامي، وإشعار الأسرة، والتحقق من قانونية الحراسة النظرية وسلامة محاضر الشرطة القضائية.

غير أن القيمة القانونية لأي دورية لا تقاس فقط بمستوى انسجامها مع النصوص التشريعية، وإنما بمدى قابليتها للتنفيذ الفعلي في الواقع العملي، فالاعتقال الاحتياطي ظل، في الممارسة القضائية، إجراء واسع الانتشار، رغم كونه استثناء بنص القانون. وإلزامية التعليل، إذا لم ترفق برقابة قضائية حقيقية على جودة التعليل ومطابقته للوقائع، قد تتحول إلى مجرد صيغة شكلية لا تنتج أي أثر حمائي فعلي.

كما أن تفعيل الوساطة الجنائية والعدالة التصالحية يثير إشكالات مؤسساتية وقانونية، تتعلق بتأهيل الوسطاء، وضمان استقلالهم، وتحديد نطاق الجرائم القابلة للصلح، وحماية حقوق الضحايا من أي ضغط غير مشروع، وهو ما يستوجب تأطيرا تنظيميا دقيقا يوازي التوجيهات العامة الواردة في الدورية.

وتطرح الدورية، كذلك، مسألة الحكامة القضائية في مرحلة التقديم، من خلال الدعوة إلى ترشيد زمن اتخاذ القرار، وتوزيع الملفات، وانتقال قضاة النيابة العامة إلى مقرات الشرطة القضائية عند الاقتضاء،وهي تدابير إجرائية، إذا فعلت، يمكن أن تسهم في تقليص الضغط على مكاتب النيابة العامة، غير أنها تستدعي موارد بشرية ولوجستية كافية حتى لا تبقى مجرد توصيات.
الدورية تمثل خطوة تنظيمية مهمة في اتجاه إعادة ضبط ممارسة النيابة العامة وفق مقتضيات دولة القانون، لكنها تضع هذه المؤسسة أمام مسؤولية مضاعفة، تتمثل في الانتقال من منطق التوجيه الإداري إلى منطق التفعيل العملي والمراقبة الصارمة للممارسات، فالضمانات القانونية لا تتحقق بالنصوص وحدها، وإنما بآليات تطبيق ومساءلة تجعل من الحرية القاعدة، ومن الاعتقال الاستثناء كما أراده المشرع

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.