اليوم dimanche 29 novembre 2020 - 7:25
أخبار اليوم
خيانة الأمانة وتزوير صفائح السيارات تقود شخص من ذوي السوابق القضائية الى التوقيف      العميد الممتاز عبد الكريم بوعبيد ينال دبلوم الماستر في “السياسة العمومية في مجال الحكامة المالية للجماعات الترابية” بميزة مشرف      تسجيل 4592حالة مؤكدة جديدة « بفيروس كورونا « بالمغرب منها 196 حالة بالجهة الشرقية      الفنان محمود الإدريسي في ذمة الله      بالوعة الصرف الصحي  تُهدد حياة المارة بحي بولغالغ والجهات المختصة خارج التغطية !!      تسجيل 4197حالة مؤكدة جديدة « بفيروس كورونا « بالمغرب منها 308 حالة بالجهة الشرقية      والد الأستاذ نورالدين عمراني موظف بجماعة سيدي سليمان شراعة في دمة آلله      انقلاب سيارة وخروجها عن الرصيف بعد اصطدامها بشجرة بوجدة      الأستاذ المتقاعد جرود البشير في دمة الله      توقيف شخصين لتورطهما في قضية تتعلق بالسرقة تحت التهديد بواسطة السلاح الأبيض     
أخر تحديث : jeudi 30 avril 2020 - 10:54

إشراقات نورانية في الصيام

 

صباح الشرق / رضوان ياسين الناطق الرسمي للطريقة الصوفية العلوية المغربية

 

إن صوم رمضان واجب على كل مسلم ومسلمة، ما لم يحل بينه وبينه حائل رفعه؛ كسفر أو مرض أو حيض أو نفاس… وتعتبر شعيرة الصيام من الشعائر الدينية التي فرضت على جميع الأمم الموحدة وكذا غيرها من الأمم. وقد فرضت في الإسلام في السنة الثانية للهجرة، وقد سبقها في فرض هذه على المسلم فريضة الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، وكانت قبل هجرة الحبيب المصطفى ﷺ بثلاث أو خمس سنوات.

وفي ترتيب الفرائض سر عظيم، قد لا ينتبه إليه الكثير في معراج التربية الروحية لكل مسلم ومسلمة وبناءه الروحي. وسنتناول شعيرة الصيام بحسب بعض مقاصدها في التربية الروحية والغاية منها، مع التركيز على شهر رمضان.

قبل أن نتناول ذلك بالتحليل والتفصيل لا بد أن نقف مع دلالات كلمة: (الصيام) لغة واصطلاحا. بادئ ذي بدء يجب التذكير أن الدين ثلاثة أركان: ـ إسلام ــ إيمان ــ إحسان.

وبني ركن الإسلام على خمس : الشهادتان، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، وهذا الترتيب الذي اعتمدته بحسب توقيت الفريضة؛ ففيها كما أسلفنا سر عجيب لأن كل شئ بقدر، ويكمن بعض سره بأنه مسار روحي يأخذ بالقول والفعل، والدين عبارة عن شرائع إلهية للعبادة والمعاملة بها، فمن انتهجها إنتهاجا صحيحا فهو المسلم حقيقة مصداقا لقوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ اُ۬لْمُومِنُونَ حَقّاٗۖ لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٞ وَرِزْقٞ كَرِيمٞۖ(4)﴾ الأية 4 من سورة الأنفال.

إن الغاية الأسمى التي من أجلها فرضت شعيرة الصيام هي: تبوؤ درجة ومقام التقوى لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُ۬لصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى اَ۬لذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (182) ﴾ الآية 182 من سورة البقرة. ولن يدرك العبد المؤمن هذه الدرجة حتى يحقق أركان الدين الثلاث: إسلام، إيمان، إحسان في كل شعيرة من شعائر الدين الإسلامي الحنيف.

والخطاب في آية فرض الصيام بدأها الحق جل علاه: ((يَا أَيُّهَا ﭑلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ)) فالصيام لغة: هو الإمساك. واصطلاحا: هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج لمدة معينة؛ أي من وإلى بمعنى بداية ونهاية، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وبالوقوف مع الصيام لغة نستشف من عبارة الإمساك، أنه جهاد وتربية روحية وتزكية نفسية عظيمة، وخاصة أنه اصطلاحا الإمساك عن شهوات مخصوصة؛ بمعنى ترك ما أحله الله لك دون رمضان في مدة معينة. وهو تعويد للنفس وتدريبا لها للوقوف عند الأمر والنهي وتصبيرها عن الشهوات.

وقد عرف بعض العلماء الصيام على أنه امتناع معين لشخص معين، عن شيئ معين، في وقت معين. لذلك ومما يحكى عن بعض العارفين بالله أن أحد تلامذته دخل على شيخه فقال: “غدا إن شاء الله سنصوم اليوم الأول، فقال له تنبيها: يا ولدي متى أفطرنا؟ “ إن الصوم عند أهل الله هو ترك كل المعاصي والإقبال على الطاعات في كل وقت وحين بدون الاقتصار على شهر معين، والإمساك عن شهوات معينة مع الاستعانة بما يقوي من القوت عن العبادة بغير التوسع في المباحات طول الدهر؛ بمعنى آخر إمساك الجوارح عن المحرمات واستعمالها فيما يرضي الله ورسوله، مع الاجتهاد في شهر رمضان المعظم الذي خصه الله ينزول القرآن فيه. حيث قال تعالى ﴿ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ البقرة الأية 185 وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن لربكم في أيام دهركم نفحات، فتعرضوا لها، لعله أن تصبيكم نفحة منها، فلا تشقون بعدها أبدا }. فلكل يوم ولكل شهر خصوصيته وخاصيته، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ اَ۬لشُّهُورِ عِندَ اَ۬للَّهِ اِ۪ثْنَا عَشَرَ شَهْراٗ فِے كِتَٰبِ اِ۬للَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَالَارْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٞۖ ذَٰلِكَ اَ۬لدِّينُ اُ۬لْقَيِّمُۖ ﴾ سورة التوبة الأية36 كما اقتضت حكمة الله أن يكون رمضان هو الشهر التاسع في التقويم القمري، فهو يتنقل بين كل فصول السنة؛ فصل الصيف الخريف الشتاء الربيع، وكأن كل يوم من كل سنة محطة من المحطات الروحية التي يجب على المسلم أن يستشف أسرارها ونفحاتها. كما قالﷺ في الحديث السالف الذكر، ومن فضائل رمضان كذلك تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق أبواب النيران وتصفد فيه الشياطين، وفيه ليلة خير من ألف شهر وتنزل الملائكة والروح فيها، وكذلك فيها أمر الله، ويستجاب فيها الدعاء.
الصيام ودلالات الحروف

قبل كل شيء ما الفرق بين “الصوم” و “الصيام”. ذهب بعض أهل اللغة ممن يقولون بالترادف لأن مصدرهما واحد هو فعل (صام) يقال أيضا : قَوْم صُوَّام و صيام وَ صُوَّم و صِيَّم و هو بهذا لا يجمع و لا يثنى.

أول حروف كلمة الصوم: حرف الصاد (ص) فهو يشير إلى الصبر وقد سمى رسول الله ﷺ شهر رمضان بشهر الصبر. فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ (155)﴾ الأية 155 من سورة البقرة هكذا يتبين لنا الارتباط بين الصوم والصبر وأن الصوم سبيل لاكتساب خلق الصبر. ﴿وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ الأية 127 من سورة النحل، لان المسلم الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قيل الصوم نصف الصبر.

ــ وحرفها الثاني: حرف الواو (و) فهو يشير أن الصيام وقاية للجسد من العديد من الأمراض، وقاية للنفس من تحكم الشهوات؛ فالصوم يهذب شهوة المسلم. قال رسول الله ﷺ { يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء } ومعنى الحديث؛ أن الصوم يضعف شهوته أو يبطلها، فالصيام يكسر الشهوة ويصون الفرج ويساعد الجسم في التخلص من الفضلات والسوائل الزائدة؛ فيصون البدن ويحميه. والصوم جنة؛ أي وقاية. والصوم في حرفه الثاني هو أيضا وقاية للمسلم من دخوله النار. قال ﷺ { الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال وفي رواية الصيام جنة وحصن حصين من النار }.

ــ والحرف الأخير: لكلمة صوم هو (م) ويشير إلى المغفرة. والذي جاء أخير في الكلمة حتى يحقق حديث رسول الله ﷺ :{ من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد او قاتله فليقل إني امْرُؤٌ صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك } للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه.
الصيام والتربية الروحية

إن في عرف أهل الله الصيام من أهم الآليات والوسائل التي يلجأ إليها في التربية الروحية لكل طالب رضى الله من المريدين. فالصيام حاجز عن المعاصي والشهوات، ويكسر الشهوة ويضعفها ــ بل يبطلها ــ وهو رياضة نفسية تعود المريد على ترك شهوات نفسه ورغباتها وأهوائها، وتربيته على معاني الإرادة القوية والعزيمة الوقادة، والقدرة على التحمل والصبر والجلد وتصل به للإطلاع على عوالم نورانية عظيمة.
شعيرة الصيام والخلوة والاعتكاف

إن الصيام يضيق مجاري الشيطان من جسم الإنسان، فيزهد هذا الأخير في ملذات الدنيا وزخرفها؛ ويورث ذلك الزهد رقة القلب والشعور واللين ويحي في قلبه الرحمة والعطف والحنان، فتنكسر شهوته ويوقظ في قلبه الشوق إلى الذكر والقرآن، فيخنس الشيطان وجنده فتنحل أقفاله قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ (24)﴾ صدق الله العظيم. سورة محمد الآية 24. فهذه الآية هذا وقتها وإبانها في شهر رمضان شهر القرآن و الاعتكاف وقد قال داود عليه السلام: { إلهي أين أجدك إذا طلبتك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من مخافتي.} والصيام أحد أهم عوامل تقوية التقوى في قلب المريد، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَّامُ﴾ إلى أن قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقًونَ﴾ فتحقيق التقوى ووقاية النفس من الشهوات ونيل منزلة الصابرين والعتق من النار، من أهم مقاصد الصيام قال ﷺ : { من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا } وقد جعل العارفون بالله السادة المشايخ الصيام ركن أساسي في كل خلوة؛ والأصل فيها الإنزواء في مكان والإعتكاف فيه وهي نوع من الفرار إلى الله﴿ فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ صدق الله العظيم سورة الذاريات الآية 50. وقد كان الاعتكاف أو الخلوة سنة ماضية عند النبيئين والمرسلين والصالحين، فموسى عليه السلام واعد ربه ثلاثين ليلة، ثم تمت بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة، وهي أقصى مدة معتمدة عند أهل الله؛ أهل الأشواق والأذواق في الخلوة، ومريم ابنة عمران كان لها اعتكافها وميقاتها في المحراب حتى خاطبتها ونادتها الملائكة بإذن ربها، ﴿ يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ (43) ﴾ الأية 43 من سورة آل عمران. وهذا مبتغى كل ذاكر وعابد وزاهد ومعتكف؛ وهو أن يسمع نداء الحق.

ولا يفوتنا أن نذكر بنداء رمضان المبارك وهو قوله ﷺ : { يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر } ولا تعجب من هذا، فقد أسلفنا الذكر أن الغاية من الصيام هي تحقيق التقوى والحق يقول:﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ ﴾ البقرة الآية 282. وقول نبيه الكريم ﷺ { إتقي الله ترى عجبا }. وكان رسول الله ﷺ يختلي قبل البعثة المحمدية في غار حراء في شهر رمضان، حتى جاءه جبريل عليه السلام بالوحي، فاستبدلها ﷺ بالاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وقد قيل في العشرين الأواخر واضب النبي ﷺ على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ( أن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده) وقد ثبت أنه اعتكف في العام الذي قبض فيه عشرين يوما، وأنه كان يتدارس القرآن مع جبريل عليه السلام مرة كل عام في رمضان، ويدخل معتكفه بعد صلاة الفجر؛ إتخذ من المسجد مكانا للإعتكاف قال: ﷺ { إني اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة ثم اعتكفت العشر الأوسط ثم أتيت فقيل لي إنها في العشر الأواخر فمن حب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس} ويقصد بالليلة؛ ليلة القدر فكان من اعتكاف رسول الله ﷺ للعشر الأواخر تحري ليلة القدر.

وكان ﷺ في اعتكافه لا يعود مريضا ولا يشهد جنازة، وذلك من أجل التركيز والإنقطاع الكلي لمناجاة الله عز وجل. وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا من لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد الجميع). فقال العلماء إذا اعتكف في غير المسجد خرج للصلاة. وقد صح عن النبي ﷺ أنه اعتكف في غير شهر رمضان، واتفق جمهور العلماء وذهبوا إلى أن الاعتكاف يجوز في كل وقت دون استثناء، ويجوز عندهم حتى ولو لم يكن المعتكف صائما.

وحاصل الأمر أن لب الاعتكاف هو الانقطاع الكلي للعبادة والاشتغال بالأذكار والقرآن والتأمل والتدبر فيه، وتوجيه القلب لله وتربى النفس على الإخلاص؛ والإخلاص روح العبادة فينقشع ران قلب المعتكف وغانه فتنكشف أمامه تكاثف الظلمات، وتتضح له مناهج السعادة وسبل الخيرات، فيرفع عن قلبه الحجب فيمتلئ من فيض نور ربه. قال تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ ﴾ صدق الله العظيم سورة الأنعام الآية 122.

الصيام شعيرة تطهيرية وتزكية

ليس الصيام مجرد الامتناع عن الطعام والشهوات وسائر المفطرات، ولكنها شعيرة تطهيرية في الظاهر والباطن بدليل قوله ﷺ{ كم من صائم، ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش } فالحديث يلفت الأنظار إلى وجوب الالتفات إلى جوهر العبادة وروحها ومقاصدها، وعدم الاقتصار على مجرد القيام بهيئتها وصورتها، وذلك بإخلاصها لله عز وجل وحضور القلب فيها، والحرص على التحقق بمعانيها. قال ﷺ : { من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه } فكأن رسول الله ﷺ يقول لك لا معنى لصيامك إن لم تترك الذنوب والمعاصي والسفه، قال إبن عباس: ” من عمل السوء فهو جاهل” فلا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء؛ إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك وفرجك ويدك، وجميع جوارحك. فروضها بالمجاهدة؛ فجهاد اللسان أن لا يرفث، وجهاد الشهوة أن لا تتحكم، وجهاد البصر بغضه، وجهاد النفس أن لا تطغى، وأما صوم القلب فعن الهمم الدنيئة وعن الأفكار والخواطر السيئة، وكفه عما سوى الله بالكلية. كن مع الله يكون الله معك.

يعتبر الصيام ككفارة لبعض الدنوب وتترتب عن بعض الأعمال، وسميت بهذا الإسم لأنها تغطي الذنوب وتسترها، وكَفَرَ بمعنى ستر وغطى واصطلاحا كل ما كُفِّرَ به من صوم أو مال والصوم الذي يترتب ككفارة، يكون نتيجة أربعة أسباب هي :

ــ الظهار، والحنث باليمين، والقتل الخطأ، والجماع في نهار رمضان.

فيقال كَفَّرَ الله عنه الدنب أي محاه قال ﷺ {فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والنهي }.

الصيام والشفاعة

قال ﷺ : { الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي ربي منعته عن الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان } أي أُخَيِّ إن شهر رمضان شهر الصيام والقرآن، وكان جبريل عليه السلام يدارس النبي ﷺ القرآن في رمضان. فأكثر من تلاوته و في تدبره من آياته. وقال تعالى: ﴿ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ (1) وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ (2)﴾ الآيات 1و2 من سورة القدر. فلا يفوتك أن تلتمس فيه ليلة القدر، التي هي ليلة خير من ألف شهر، فتحرها في العشر الأواخر من ليالي الوتر منه. فهي أعظم جائزة يمكن أن يظفر بها المسلم في هذا الشهر الكريم.
الصيام ورفع الأعمال

أخرج النسائي وأبي داود من حديث أسامة قال:{ قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم شهرا من الشهور، ما تصومه من شعبان ؟ قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب ان يرفع عملي وأنا صائم } فتأمل يا أخي رحمك الله، كيف أحب رسول الله ﷺ أن يرفع عمله وهو صائم قانت لله رب العالمين، فللجنة باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخل آخرهم أغلق من دخل فيه شرب، ومن شرب لن يظمأ أبدا والملائكة تستغفر للصائم حتى يفطر.
الصيام والدعاء

عن أنس ابن مالك رضية الله عنه أن النبي ﷺ قال: {ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالدين، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر} إن الدعاء مخ العبادة وأساسها، وإليه يلجا المسلم في الشدة. وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ {ثلاث لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم } من خلال الحديث كان جديرا بالمسلم أن لا يغفل عن هذا الكنز العظيم، فلا ينساه وليحرص في هذا الشهر المبارك الذي تفتح فيه أبواب السماء وأبواب الجنة، وتتنزل الرحمات ويعتق الله في كل ليلة من لياليه عباده المقبلين عليه من النار. قال النبي ﷺ: {إن لله تعالى عتقاء في كل يوم وليلة، لكل عبد منهم دعوة مستجابة} وهذا يكون في رمضان فانظر يا أخي إلى عظمة الله ورحمته بعباده وليتيقن الداعي أن الله تعالى يستجيب دعاء عبده حتما:

ــ بإعطاء ما طلب ــ أو بادخاره أجرا يناله يوم القيامة ــ أو بصرف أذى أو سوء وبلاء عنه أو عن أهله. ومما يستفاد من الحديث الأول والثاني أن الدعاء مفتوح في شهر رمضان وغير محدد وعند بعض المجتهدين في الثلث الأخير من الليل وعند الإفطار هو الأفضل.
الصيام ملجأ في الشدائد

لنا في قصة السيدة مريم في قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا (26)﴾ الأية 26 من سورة مريم لنا عبرة في قوله تعالى، فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمان صوما، أنظر كيف لاذت والتجأت إلى الصيام في هذه الشدة.
خاتمة

إن الصيام من أفضل وأعظم العبادات التي يتقرب بها المسلم إلى ربه، وله آثار كبير على النفس البشرية. ولما كان الصوم من الصبر. وقد قيل أن الصوم نصف الصبر فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب، إلا الصبر قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ (10) ﴾ الآية 10 من سورة الزمر ويكفي في عظمة الصيام أن الله أضافه لنفسه قال تعالى في الحديث القدسي:{ الصوم لي وأنا اجزي به } فكأنه سر بين الحق جل في علاه و عبده، فأخفى الجزاء ولم يطلع أحدا على أجره من عباده. وقال رسول الله ﷺ {إحضروا المنبر فحضرنا، دَرَجَ فقال: آمين فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: آمين، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: آمين، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئا ما كنا نسمعه، قال : إن جبريل عليه السلام عرض لي فقال: بعدا لمن أدرك رمضان فلم يغفر له، قلت آمين، فلما رقيت إلى الدرجة الثانية قال بعدا لمن ذكرت عنده فلم يصلي عليك، قلت آمين فلما رقيت الثالثة قال : بعدا لمن أدرك الكبر أبواه عنده فلم يدخلاه الجنة قلت آمين }.

وفي الأثر الذي يروى عن موسى الكليم عليه السلام قال: { إلهي هل أكرمت أحدا مثلما أكرمتني،حيث أسمعتني كلامك؟ قال الله تعالى: يا موسى إن لي عبادا أخرجهم في آخر الزمان، فأكرمهم بشهر رمضان وأنا أكون أقرب إليهم منك، فإني كلمتك وبيني وبينك سبعون ألف حجاب، فإذا صامت أمة محمد وابيضت شفاههم واصفرت ألوانهم، أرفع تلك الحجب وقت الإفطار، يا موسى طوب لمن عطش كبده وجاع بطنه في رمضان فلا أجازيهم دون لقائي .} ومسك الختام يا إخوان بحديث لرسول الرحمة ﷺ إجعله نصب عينيك، ومبلغ قصدك، وعمل يومك، في شهر صومك وعلى الله قصد السبيل قال ﷺ: { إن في الجنة غرفا ترى ظهورها من بطونهاـ وبطونها من ظهورها} فقام أعرابي فقال لمن هي يا رسول الله؟ قال: { لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام،وصلى لله والناس نيام} فقم واغتنم أيها الصائم في حديث نبيك ما تشتهيه، هذا غيض من فيض في حق شعيرة كتبت علينا كما كتبت على اللذين من قبلنا، فاتقوا الله لعلكم تفلحون وصلى الله على سيدنا محمد المختار خير من صام وصلى وقام وتهجد.

رابط المقال من موقعه الرسمي

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.