
محمد خداش: أستاذ باحث
نقصد بفتح المساجد : فتح أبوابها للمصلين وروادها ومن تعلقت قلوبهم بها ،بعد إغلاقها بفتوى المجلس العلمي الأعلى ،في مقاربة وقائية من وباء (كوفيد 19 المستجد).
أما حفظ الأديان والأبدان ،فقاصد بهما الحفاظ على بيضة الدين بتثبيت أركانه وتشريعاته وشعائره في مفاصل المجتمع المسلم،وحفظ الأبدان يعني -في سياقي هذا- الحفاظ على النفس الإنسانية ،من جانب الصحة ودرء المرض .
وحين نريد الحديث في هذا الموضوع ،وفي هذا السياق الإقليمي والمحلي الحرج خاصة ،لا بد من استحضار جوانب وأبعاد ثلاثية مهمة للموضوع ،تشكل كلها خطوطا متوازية ،وكل نظر في النازلة ،يغفل أحدها ،يصيب الخلل نتائجها ،وأحكامها المستنبطة من مقدماتها:
1- المساجد بيوت الله تعالى ،وأفضل البقاع على وجه الأرض ،وهي المكان الذي نسبه الله تعالى لنفسه نسبة تشريف وتكريم ،حين قال :(وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا). سورة الجن ،الآية:18.للمسجد إذا مكانة عظيمة في قلوب ونفوس المسلمين ،ويتبوأ مكانة اعتبارية أولى ،ضمن المرافق العامة ،التي ينتفع بها المواطنون ،وقد شيد عدد كبير منها ،ورفعت صوامعها بما خصصه المغاربة من كرائم أموالهم ،إلى جانب المساجد ،التي تتولى الوزارة الوصية بناءها وتشييدها.
فالمسجد إذا جزء من كينونة المسلم ،ومعيشه اليومي ،حتى صارت بعض العلاقات الاجتماعية ،لا تنفك عنها (نلتقي في المسجد،نصلي معا،لما ذا غاب فلان عن صلاة الصبح،عن أي موضوع تحدث الخطيب،أسجل ابني ليحفظ القرآن الكريم في المسجد…)،وغيرها من مظاهر ارتباط حركية المجتمع بمقومه الأساس وهو (المسجد).
2- حفظ الأديان ،معناه :حفظ الدين الإسلامي ،مقوما من أبرز مقومات المجتمع المغربي ،وحفظه يكون -حسب ما قرره علماء المقاصد-بجلب كل ما يثبته في النفوس والقلوب والعقول ثم في واقع الناس وحياتهم ،في بيعهم وشرائهم،في معاملاتهم ،في أحوالهم الأسرية …،وأيضا بدفع كل ما يسيء إلى هذا الدين ،ويشكك في عقائده ،وينقص من قيمه وأحكامه وحكمه،ولا نستغرب حين نجد هؤلاء العلماء بوؤوا الدين المرتبة الأولى ضمن الضروريات التي يجب حفظها.
فإذا كان الله تعالى قد تكفل بحفظ المصدر الأول لهذا الدين ،في قوله تعالى:(إنا نحن نزلنا الذكر ،وإنا له لحافظون).سورة الحجر،الآية:9، فإن على العلماء والفقهاء ،وأهل الحل والعقد ،حفظ أحكامه وتشريعاته ،وتهييء الشروط والمناخ المناسب لتنزيل هذه الأحكام على أرض الواقع،ليمارس الناس شعائرهم الدينية في سكينة واطمئنان ،كما ينص على ذلك الدستور المغربي.
3- حفظ الأبدان ،ويعني هاهنا حفظ النفس البشرية ،ضمانا لاستمرار النوع البشري،لعمارة الأرض ؛إذ هي المقصد الأساس من خلق الله تعالى الإنسان (هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها …).سورة هود ،الآية:61.و(وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة).سورة البقرة،الآية:30.
فلا استمرار لمجتمع ،ولا لدولة ،ولا لحضارة دون هذا العنصر الأساس وهو الإنسان، ومن أجل ذلك وجدنا مصدري التشريع(القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة)حافلين بتشريعات وأحكام شرعية ،يتشف منها كلها ،الحفاظ على الكائن البشري ،وضمان حقه في العيش الكريم ،متمتعا بصحة وعافية دائمتين،وفي أمن وأمان.
بعد الإشارة-باختصار- إلى الجوانب الثلاثة ،التي تتجاذب هذا الموضوع ،أقول :
الذي يريد أن يدلو بدلوه،ويتحدث في موضوع فتح المساجد ،لا يكتفي بتحريك العواطف أو التعبير بها أو عنها فقط ،بل لا بد من التزود بزاد العلم والمعرفة الكافية ،والإحاطة بالموضوع من جميع الزوايا ،حتى تكتمل الصورة واضحة .
وفي الختام ،أرجو أن أكون قد أثرت مجموعة من التساؤلات المعرفية والمنهجية ،لكل من يتعاطى مع مثل هذه النوازل والمستجدات ،لأن الأهم هو طرح الإشكال ،والتمكن من المنهج…
والله من وراءالقصد.


