سيدي بوبكر.. قلعة الأنفاق

Noureddine Mimouni
2022-01-11T09:46:55+00:00
الجهوية
27 ديسمبر 2021

sidi boubker - www.sabahachark.com

بقلم / ذ حسن العبد

سيدي بوبكر قرية مغربية صغيرة بشرق المملكة، شيدت ربع فرنسا تقريبا بخيراتها الباطنية الهائلة، وهي كما يقال “قلعة الغيران” (الغار) والأنفاق التي كانت تتوفر على ثروات طبيعية غنية بمعادن الرصاص والزنك والكبريت، بحيث اكتشف المهندس المعماري والجيولوجي الفرنسي، جون ولتر، الخيرات الهائلة التي يحتوي عليها باطن القرية إبان فترة الحماية، ليتم استغلالها بشكل بشع من قبل المستعمر الفرنسي.

سيدي بوبكر معقل الأغلبية من المقاومين المغاربة بالمنطقة الشرقية، عمال المناجم أو المنجميين الذين كانوا منضوين في خلايا حزب الاستقلال مع الزعيم الراحل عبد الرحمان احجيرة، والذين انتفضوا بقوة أنهكت وأتعبت العدو المستعمر عندما تم نفي المغفور له الملك محمد الخامس.

يقول أحد الإعلاميين: “قد لا يعرف كثير من المغاربة موقع بلدة سيدي بوبكر على خريطة المملكة، وقد لا يكون معظمهم قد سمعوا عنها أبدا، عدا الذين قرأوا خبر عودة عمال الساندريات مؤخرا، إلى مزاولة نشاطهم في هذه البلدة الواقعة نواحي مدينة جرادة، فعلى بعد بضع كيلومترات، لا تتجاوز الثلاثة، عن مدينة تويسيت، شيدت قرية سميت باسم الولي الصالح سيدي بوبكر، عرفت مجدها خلال الخمسينات والستينات من القرن الماضي، يا حسرة”.

لقد عاش في هذه القرية ثلة من العمال المغاربة من كل الجهات وآخرين من عدة جنسيات جنبا إلى جنب، حيث كان المنجميون يقطنون، كما يحكي أحد البوبكريين، في حي يسمى “القيسارية”، فيقول في روايته: ((هذا الحي الذي كان يسكنه العمال المغاربة، بينما أحياء سيدي بوبكر الراقية آنذاك، كانت مسكنا للغربيين من كل الجنسيات، وهي حي “الساعة”، وحي “الوسط”، وحي “ب. ب. أ”، هذه الأحياء كانت مقتصرة على سكانها ويمنع دخولها على الغرباء، ولم يدخلها المغاربة إلا بعد إغلاق الشركة المعدنية لأبوابها في منتصف السبعينات)).

ويحكي لنا الآباء والأمهات، وكل من عاش في تلك الفترة الذهبية بتلك الناحية المجاورة للحدود الجزائرية من فعاليات المنطقة، أن سيدي بوبكر كانت مدينة قائمة بذاتها، تضم مصانع ضخمة لتكرير المعادن المستخرجة من باطنها، وتتمتع ببنية تحتية صلبة، وتتوفر على مرافق عديدة، منها مدرسة وكنيسة ومسبح كبير ومتجر ممتاز، لكن قُدر لها أن تتحول إلى بلدة بئيسة، بعد استنزاف خيراتها من المعادن، وشخصيا ازددت بهذه القرية العزيزة من أب منجمي مقاوم أبي وأم ربة بيت عصامية واجها معا كل الصعاب وخاضا غمار التحديات لأجل العيش الكريم، وقد كتبت عن سيدي بوبكر وأمجادها رواية بالفرنسية، تطرقت فيها للاستغلال المقرف والشنيع لخيراتها من قبل المستعمر الفرنسي، وتم عرضها بمعرض الكتب بباريس سنة 2019.

يؤكد أحدهم في إحدى المقالات، وهو يتحسر كثيرا على ما آلت إليه الحالة في الوقت الحالي، بأن ((المدينتين المنجميتين سيدي بوبكر وتويسيت، تحولتا إلى بلدتين بل إلى ما دون ذلك، إلى “دوارين”، ووجدتا نفسيهما خارج التاريخ، يعاني سكانهما الموت البطيء بسبب البطالة بعد أن كانتا تعيشان في رفاهية وازدهار أيام نشاط الشركات المنجمية منذ بداية القرن الماضي))، بل يذهب الكثير في القول بأن ((أطلال مصانع تكرير المعادن الضخمة شاهدة على العصر الذهبي لقرية سيدي بوبكر، التي كانت يوم عمرها الفرنسيون مدينة يسمونها الأرض الغنية. فسيدي بوبكر كما يقول البوبكريون، ومنهم العبد الضعيف، لم يتبق منها سوى الأطلال بعد سنوات من الاستغلال المنجمي، شأنها شأن حاضرة الإقليم جرادة، التي رحلت عنها الشركات التي كانت تستخرج الرصاص وبعض المعادن الأخرى، مخلفة وراءها الآلاف من السكان يجترون الخيبات، وذلك بعد انسحاب الدولة من تدبير مناجم الرصاص بسيدي بوبكر (34 كلم جنوب شرق وجدة)))، ويضيف آخرون بأنه ((في سبعينيات القرن الماضي، على غرار مناجم أخرى بالجهة الشرقية، انطلق مسلسل طويل من المعاناة بالنسبة للسكان الذين لم يألفوا نشاطا آخر غير حفر الأرض واستخراج ما تخبئه من كنوز، فكان أن اختاروا الاستمرار في التنقيب وفق شروط ينعدم فيها الأمان، مما تسبب في سقوط الكثير من الأرواح، وأماط اللثام عن طبقة جديدة من العبيد)).

فأية آفاق تنتظر قرية سيدي بوبكر المقاومة والمناضلة مع الحكومة الجديدة وممثلي الجهة الشرقية من المنتخبين، ومعهم السلطات الإدارية وكل المسؤولين؟ وهل يا ترى توجد هنالك مخططات تنموية تخص هذه الجهة التي أسدى رجالاتها خدمات للوطن لا يستهان بها إبان الاستعمار الفرنسي من مقاومة باسلة والتي زودت البلاد كذلك بما يكفي من خيرات هائلة مستحقة على مدى عدة عقود؟ ثم هل من علاج كاف ومناسب يضمد جراح ضحايا الحوادث والأمراض المزمنة التي أصيب بها المنجميون الأحياء في فترة الاستعمار بقعر “الغيران” يقدم لها من دولة فرنسا المستعمرة التي استغلتهم وخيراتهم، وتضميد الجراح بالطبع بقوة الحق والقوانين الدولية؟

وأخيرا، كيف يمكن رد الاعتبار لضحايا “السيليكوز” و”التوبيركولوز الموتي” التي ليس لأرواحهم أي ثمن مهما دفع المستعمر الذي استنزف ثروات باطن أرض سيدي بوبكر وتويسيت وحطم أجساد المنجميين وذهب بأرواحهم الغالية ؟

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.