الجزء السابع:من سلسلة العامل الجديد عبد الحميد الشنوري أمام مرآة الانتظارات…!!!
وسط واقع صحي منهك وأقسام طبية تئن تحت وطأة الإهمال، أطل بصيص أمل على ساكنة إقليم بركان بعدما أعلنت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، في أبريل 2022، عن مشروع واعد لبناء مستشفى إقليمي جديد ذكي على أرض بركانية عطشى إلى العلاج، منهكة من طول الانتظار، ومثخنة بجراح نظام صحي لم يعد يفي بأبسط المتطلبات.
– مستشفى الدراق… جسد يحتضر فوق سرير الإهمال.
قبل أن نفتح باب الأمل على مصراعيه، لا بد أن نطلّ على مشهد قاتم يشكّل الخلفية الدامية لهذا المشروع الجديد. مستشفى الدراق، المفترض أن يكون مركزًا إقليميًا للعلاج والتكفل، بات عنوانًا صارخًا للفشل المؤسسي في تدبير الشأن الصحي المحلي. فمن قاعة ولادة لا تضم سوى طبيبين، إلى قسم للقلب لا يتوفر إلا على طبيب واحد، وغياب شبه تام لأطباء تخصصات حيوية، كأننا أمام مستوصف قروي وليس منشأة استشفائية لإقليم بأكمله.
قسم المستعجلات؟ كارثة أخرى. ثلاثة أطباء يتناوبون على قسم من المفروض أن يستقبل الحالات الطارئة لـ300 ألف نسمة، في مشهد عبثي يليق بمسرحية حزينة، وليس بمنظومة صحة يُفترض أنها وطنية. أما قسم الأشعة، فلا يختلف حاله عن متحف مهجور، وبقية الأقسام تحتضر بصمت.
– حين تنقل الحوامل بألم نحو المجهول…
الوجه الأكثر قسوة في هذه التراجيديا الصحية، تعيشه النساء الحوامل اللواتي يُجبرن على التوجه نحو مستشفى الفرابي بوجدة، فقط من أجل الولادة. نعم، في سنة 2025، لا يتوفر مستشفى إقليمي بمدينة بركان على طبيب توليد ولا حتى على الحد الأدنى من شروط استقبال الولادات، خاصة القيصرية منها. والنتيجة: ولادات محفوفة بالمخاطر، وكرامة إنسانية مداسة تحت وطأة الجغرافيا والفقر.
– من رحم الأزمة… يولد مشروع الأمل…
مستشفى إقليمي جديد ببركان.. حين تستفيق الصحة من غيبوبتها..!!!
في خضم هذا السواد، وفي خطوة طال انتظارها من طرف ساكنة إقليم بركان،
جاءت مبادرة وزارة الصحة كنافذة أمل تطل على مستقبل مختلف،حيث أعلن وزير الصحة والحماية الاجتماعية، البروفيسور خالد آيت الطالب، خلال شهر أبريل من سنة 2022، عن قرار وزارته تشييد مستشفى إقليمي جديد ذكي بمدينة بركان، في إطار رؤية تروم تجويد العرض الصحي والتجاوب مع الإكراهات المتفاقمة التي يعاني منها المستشفى الحالي “الدراق”، الذي بات عاجزًا عن استيعاب الكم الهائل من المرضى، وتقديم الحد الأدنى من الخدمات الصحية المطلوبة.
جاء هذا الإعلان الحكومي ردًّا مباشرا على سؤال كتابي تقدّمت به البرلمانية فاتن الغالي، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، والتي دقت ناقوس الخطر حول الوضع الصحي المقلق داخل المستشفى الإقليمي الدراق، واصفةً إياه بمؤسسة منهكة تعاني من نزيف في الموارد البشرية وشلل على مستوى التجهيزات الطبية الحيوية.
الغالي لخصت الصورة بأرقام صادمة: طبيبان فقط في قسم الولادة، طبيب وحيد في أمراض القلب، وطبيبة واحدة لمرض السكري… وأقسام أخرى بدون أي طبيب مختص، في مشهد أقرب إلى العجز الكامل منه إلى العمل المؤسسي. كما أشارت إلى غياب أجهزة أساسية مثل “IRM”، وقاعة عمليات وحيدة تتسبّب في تأخير مواعيد الجراحات لأسابيع، وربما أشهر. أما قسم المستعجلات، فهو عنوان دائم للاكتظاظ والانتظار، وساحة مفتوحة على الغضب والاحتقان.
وزير الصحة لم ينفِ الواقع، بل ذهب أبعد من ذلك، حين أكد أن مستشفى الدراق لم يعد يلبي حاجيات الساكنة المتزايدة، بحكم الموقع الجغرافي للإقليم الذي يجعله نقطة تقاطع بين عدة مناطق كوجدة، العيون الشرقية، والناظور. وهو ما جعل من “الدراق” مركز استقطاب للمرضى من مختلف الجماعات، ما فاقم الضغط على بنيته المهترئة، وعلى أطقم طبية تشتغل في ظروف مستحيلة.
ورغم محاولات الترميم والإصلاح، أوضح الوزير أن البنية الهندسية لمستشفى الدراق لم تعد قابلة للتأهيل وفق معايير الجيل الجديد من المؤسسات الاستشفائية، ناهيك عن كلفة الترميم التي تضاهي تقريبًا تكلفة بناء مستشفى حديث. هذا ما دفع الوزارة، وفق ما أعلنه الوزير، إلى اعتماد خيار استراتيجي يتمثل في تشييد مستشفى إقليمي جديد وذكي، يُواكب التحول الرقمي، ويرتقي بالخدمات الصحية إلى مستوى تطلعات المواطنين.
المستشفى المرتقب، حسب معطيات وزارة الصحة، سيشكل نقلة نوعية في الخريطة الصحية للإقليم، إذ سيُشيد على مساحة تقارب 34 ألف متر مربع بطريق أحفير، وسيتسع لـ220 سريرًا موزعة بين الاستشفاء العادي ومستشفى النهار، إلى جانب مصلحة خاصة بالأمراض النفسية، وقسم حديث لتصفية الكلي يضم 30 جهازًا، ومرافق للترويض الطبي.
كما سيتم تجهيز المؤسسة الطبية الجديدة بمنصة رقمية متطورة، وفضاءات عصرية تشمل: إدارة مركزية، قاعتين لأخذ المواعيد، 8 مرافق للفوترة والاستقبال، 8 قاعات للفحص، 11 قاعة للكشف، قاعتين لأخذ الدم، مختبر تحاليل بيولوجية، 3 قاعات خاصة بطب الأسنان، 16 قاعة للطب العام، 16 أخرى للجراحة النهارية، إلى جانب مصلحة الترويض، وغسل الكلي، ومرافق استشفائية حديثة يفتقدها المستشفى الحالي.
هكذا، بعد سنوات من التهميش والإهمال، تلوح في الأفق بارقة أمل قد تعيد الاعتبار للحق في العلاج داخل إقليم بركان. غير أن السؤال الجوهري يظل معلقًا: هل ينجح المشروع في الوفاء بوعوده ويُنجز في آجاله، أم أننا سنعيد مشاهدة شريط المشاريع المتعثرة التي انطلقت بوعود وردية… وانتهت في دهاليز النسيان؟
298.9 مليون درهم… هل تصنع الفرق؟
بميزانية تبلغ 298.9 مليون درهم، وحددت لها مدة إنجاز لا تتجاوز 30 شهرًا، يبدو المشروع على الورق واعدًا ومتكاملاً. بل لعلّه أكبر استثمار صحي تعرفه المنطقة منذ عقود. وقد انطلقت المناقصة فعليًا في 16 نونبر 2023، وتم تحديد المقاولة المكلّفة بالأشغال، وشرعت الورشات في الحفر والبناء، ما أعاد الأمل للساكنة، وأحيا انتظارات طال أمدها.
–ولكن… الوتيرة بطيئة، والقلق يتزايد
رغم انطلاق الأشغال منذ قرابة سنة، إلا أن وتيرتها باتت تثير المخاوف. تأخر ملحوظ، حركة باهتة على الأرض، وتساؤلات مشروعة: هل نحن أمام مشروع سيلتحق بلائحة المشاريع المتعثرة؟ هل يعيد التاريخ نفسه كما حدث في محطات صحية وتنموية أخرى توقفت عند عتبة الوعود؟
–بين وزارة تُعلن والميدان يتأخر… من يحاسب؟
في ظل هذا البطء، ومع تزايد الحاجة إلى خدمات صحية عاجلة، باتت ساكنة بركان تعيش بين مطرقة واقع صحي مأزوم وسندان مشروع يسير ببطء السلحفاة. فمتى ينتهي زمن الانتظار؟ وهل تتحمل وزارة الصحة مسؤولية تتبع الأشغال وضمان احترام الآجال؟ أم تُترك الأمور إلى أن تتراكم خيبات جديدة على أنقاض وعود الأمس؟
– كفى من التهميش… بركان تستحق الحياة
إن مستشفى الدراق ليس مجرد بناية متهالكة، بل هو مرآة لفشل إداري مزمن، وساحة لتعرية السياسات الصحية المرتجلة. أما المستشفى الجديد، فهو فرصة تاريخية لإنصاف ساكنة صبرت أكثر من اللازم.
لكن هذا الإنصاف لن يُكتب له النجاح إلا إذا اقترنت الميزانيات بالإرادة، والمخططات بالمتابعة، والوعود بالفعل. بركان تستحق حياة صحية لائقة، تستحق أن تلد نساؤها بكرامة، وأن يُعالج أطفالها بالقرب من بيوتهم، لا على أرصفة مدن أخرى.
فهل تكون هذه المرة مختلفة؟
وهل تكتب وزارة الصحة صفحة جديدة من الثقة مع ساكنة بركان؟
الأيام وحدها تملك الجواب.
– ترقبوا ما تبقى من سلسلة عامل الإقليم الجديد عبد الحميد الشنوري أمام مرآةالانتظارات خلال الأسابيعالقادمة من خلال ملفات جديدة.
–تحقيق صحفي:جريدة صباح الشرق SABAHACHARK






