صباح الشرق / SABAHACHARK
وجه من مدينتي…الفنان حسن الحسيني… أيقونة فن الركادة والمنكوشي وسفير التراث البركاني إلى العالمية بين محنة الجسد وخلود الفن
بين ثنايا الجبال الشامخة لقبائل بني يزناسن، وعلى ضفاف الحقول الخصبة الممتدة بين أحفير وبركان، وُلد صوت سيحمل معه ذاكرة منطقة بأكملها.
هناك، في دوار سيدي عبد الرحمان بمداغ، رأى النور الفنان حسن الحسيني، ليكتب اسمه بحروف من ذهب في سجل الفن المغربي، ويصبح رمزاً لفن الركادة والمنكوشي وركناً من أركان الهوية الثقافية للجهة الشرقية.
– البدايات بين الزاوية والمسيد
نشأ حسن الحسيني في بيت متشبع بروح التدين والتصوف، إذ حفظ القرآن في صغره على يد فقهاء “المسيد”، وكان قريباً من الزاوية القادرية البودشيشية التي أثرت في وجدانه وأسلوبه.
كان يؤذن في مسجد دواره، ويؤدي الأوراد الصوفية في المناسبات الدينية، قبل أن ينغمس في شغفه الأكبر: الغناء والمواويل. ومنذ تلك اللحظة، بدأت ملامح موهبة فنية استثنائية تتشكل.
– من المعاناة إلى الإبداع
اشتغل الفنان حسن الحسيني في مهن وحرف بسيطة ليعيل عائلته، لكنه لم يتخل عن حلمه الفني.
بدأ بالغناء على إيقاعات المنكوشي، ثم جدد هذا الفن وأدخل عليه آلات موسيقية عصرية، من البندير والكلال إلى الساكسفون والقيثار الكهربائية، ليمنحه روحاً جديدة.
ومن رحم هذا التجديد وُلد فن الركادة، الذي حمل اسم منطقة زراعية بين أحفير وبركان، وأصبح هو سفيرها الأول ومالكها الشرعي.
– الركادة… من المحلية إلى العالمية
بفضل الفنان حسن الحسيني، تجاوز فن الركادة حدود الجهة الشرقية لتصل إلى مسارح العالم.
أداؤه القائم على أشعار موزونة بالعربية الدارجة والأمازيغية، وإيقاعاته التي لا تخدش الحياء، جعلت هذا الفن محبباً لدى الجماهير المغربية والجزائرية على حد سواء.
ومع جيل الثمانينات، بدأ إشعاع حسن الحسيني يضيء سماء الفن الشعبي، فاعتبره النقاد ملك فن المنكوشي والركادة بلا منازع، وأيقونة حملت الفن البركاني من المحلية إلى العالمية.
– مسار الاعتراف
في يوليوز 2014، خصّص الإعلامي عتيق بنشيكر حلقة من برنامجه “مسار” للاحتفاء بحسن الحسيني، واستحضار ذاكرة الجهة الشرقية عبر صوته وإبداعه.
الحلقة كانت بمثابة رد اعتبار لفنان أعطى الكثير دون أن ينال الدعم الكافي.
شهادات رفاق دربه، من الشيخ المهري إلى عبد الحميد الزياني، ومن المختار البركاني إلى المخرج محمد السعودي، أكدت جميعها أن حسن الحسيني لم يكن مجرد مؤدٍ، بل مدرسة قائمة بذاتها.
حتى المسرح لم يكن بعيداً عنه، إذ لعب دور البطولة في مسرحية “حفار القبور” بتمكن واقتدار.
– محنة المرض وظل المعاناة
غير أن مسار الفنان حسن الحسيني لم يخلُ من الألم… ففي سنة 2017، تعرض لوعكة صحية خطيرة أدخلته المستشفى الجامعي محمد السادس بوجدة، وسط دهشة عائلته وأصدقائه، عاش تجربة قاسية من الإهمال الطبي، انتهت ببتر جزء من ساقه اليمنى.
ورغم ذلك، ظل فنان الأجيال صامداً، يحمل ذاكرة الفن وهمّ الحفاظ على التراث.
– إرث خالد
لم يحظَ الفنان حسن الحسيني بالتكريم المعنوي الكافي، لكنه ترك وراءه إرثاً غنياً خالداً، سيظل شاهداً على عظمة رجل أحب فنه حتى آخر لحظة.
إنه ابن بركان البار، الفنان الذي وهب صوته وروحه ليبقى فن المنكوشي والركادة نابضاً بالحياة، ممتداً من ربوع الشرق المغربي إلى مسارح العالم.












