المبادرة المغربية للحكم الذاتي في الصحراء في ضوء الجهوية المتقدمة”

Houcine Daoudi
2025-11-17T20:04:23+00:00
الجهوية
6 نوفمبر 2025

20251104 124835 copy   - www.sabahachark.com

صباح الشرق / SABAHACHARK 

الدكتور مصطفى بن شريف/ الجزء الثاني

3- أسس الدولة المركبة أو الدولة الاتحادية

هي مجموع دويلات أو ولايات تشترك في اتحاد توضع على رأسه دولة عليا، تزاول سلطات الحكم المركزي أو الفيدرالي،كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية.

و تظل الدول المتحدة تزاول إلى حد ما إختصاصاتها الدستورية والإدارية والقضائية وتساهم بواسطة نوابها في ممارسة سلطات الحكم المركزي.

إن الدولة الفيدرالية تستمد وجودها و كيانها من الدستور الفيدرالي، خلافا للدولة الكونفدرالية التى تكون نتيجة معاهدة دولية بين دول تتفق فيما بينها على إحداث كونفدرالية، والنظام الفدرالي تأخذ به حاليا الولايات المتحدة الأمريكية ألمانيا، النمسا، سويسرا وبلجيكا.

و الدولة الإتحادية أو الفدرالية، تتكون من عدة ولايات كل ولاية تحكمها مؤسسات لها دستورها الخاص بها، وتشريعات وقضاء، لكن وجود دويلات أو ولايات لا يلغي وجود حكومة مركزية، يحكمها دستور فدرالي و رئيس الدولة الفدرالية، ومحكمة عليا فيدرالية و هي من تتولى الدفاع والتمثيل الدبلوماسي ووحدة العملة.

و من أهم مظاهر الدولة الإتحادية، وجود دستور اتحادي يعترف بوحدة الشعب الذي يتكون من مجموع مواطني الولايات المشكلة للإتحاد أو الفدرالية، ووحدة إقليم الدولة المتكون من مجموع الأقاليم و الولايات، و كذا وحدة سلطتها السياسية (رئيس دولة أو ملك في نطاق القانون الداخلي و القانون الدولي.

و في إطار القانون الداخلي للدولة الفدرالية، يتولى الدستور تحديد السلطات الإتحادية في المجالات التشريعية والتنفيذية والقضائية، و في نطاق القانون الدولي، تمارس الدولة الإتحادية حق التمثيل الدبلوماسي للإتحاد لدى الدول الأجنبية، أي أنه في إطار الدولة الإتحادية لا يوجد إلا شخص دولي واحد يتمثل في الدولة الإتحادية.

و من جهة ثانية، أهم ما يميز الأنظمة أو الدول الفدرالية، أن كل ولاية لها دستورها الذي يتولى تنظيم السلطات في ظله من سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية، لكن ممارسة هذه السلطات من طرف الولايات، يجب أن يتم بشكل مطابق للدستور الفيدرالي أو الإتحادي وفي ظل حكومة مركزية، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث يتم العمل بدستور فيدرالي هو دستور الدولة الفيدرالية، وبرلمان أي الكونجرس، مجلس الشيوخ و مجلس النواب، تمثل فيه جميع الولايات، ورئيس الدولة هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي ينتخب من جميع الولايات، الخمسين (50) ولاية).

-ثانيا:مرتكزات التنظيم الإداري في المغرب

إن التنظيم الإداري للدولة يتأثر بالظروف السياسية والإجتماعية، وبطبيعة النظام الدستوري لكل دولة الذي يحكمها، وينظم سلطاتها و العلاقة بين السلط، ودرجة الأخذ و العمل بمبادئ الديموقراطية، وهي كلها عناصر أساسية لضمان تسيير فعال للهياكل الإدارية في الدولة لتحقيق المصلحة العامة.

إن الدول عند بداية تشكلها أو تأسيسها، أو استقلالها، تعمد إلى اتباع أسلوب المركزية الإدارية كشكل من أشكال التنظيم الإداري، عن طريق مركزة القرار في يد الدولة، لكن و نظرا لكون الديموقراطية اختيار سياسي يقتضي توزيع السلطات والإختصاصات، الأمر الذي دفع بالدول إلى تبني أسلوب اللامركزية الإدارية، و بذلك أصبح التنظيم الإداري في الدولة يقوم على أسلوبين المركزية الإدارية واللامركزية الإدارية، في الحالة الأولى، نكون أمام العمل بنظام وحدة السلطة الإدارية، و في الحالة الثانية نكون أمام نظام متعدد السلطات الإدارية، يقوم على مبدأ توزيع و نقل الإختصاصات الإدارية، إما إلى مجالس منتخبة أو إلى هيئات مرفقية.
1- المركزية الإدارية:La (Centralisationadministrative)

تتميز المركزية الإدارية بتجميع الوظيفة الإدارية بيد ممثلي الحكومة المركزية في العاصمة الوزراء و كتاب الدولة، الذين يهيمنون على النشاط الإداري، و يساعدهم في ذلك موظفون بالمصالح المركزية، أو بالمصالح الخارجية (المصالح اللاممركزة) في العمالات و الأقاليم و الجهات.

و أهم ما يميز أسلوب أو نظام المركزية الإدارية، أن سلطة اتخاذ القرار النهائي تعود للوزراء و لكتاب الدولة أي مركزة القرار، الذين ينفردون بالهيمنة على النشاط الإداري و تقوم المركزية الإدارية على ركنين أو عنصرين أساسين وهما:
– تركيز الوظيفة الإدارية، واستئثار الإدارة المركزية بها، لا يشاركها فيها سلطات منتخبة
– الخضوع للسلطة الرئاسية أو التسلسل الإداري.

و من جهة ثانية، تتخذ المركزية الإدارية صورتان:
التركيز الإداري
La Concentration administrative

اللاتركيز أو عدم التركيز الإداري
La déconcentration administrative
و كما سبق القول المركزية الادارية معناها إستئثار الإدارة المركزية أو الحكومة في العاصمة و عبر ممثليها في العمالات و الأقاليم والجهات، بجميع مظاهر الوظيفة الإدارية في الدولة.

و يعتبر التركيز الإداري، بأنه الصورة التقليدية للمركزية الإدارية، لا يتمتع فيه ممثلي الإدارة المركزية في العمالات و الأقاليم والجهات بأي سلطة إدارية لإتخاذ القرارات، بل يتعين عليهم الرجوع إلى وزارتهم ورؤسائهم ، و هنا نكون أمام حالة أو صورة المركزية الكاملة أو المركزية المطلقة أو الوزارية، بالنظر إلى هيمنة الوزير هيمنة كاملة على سلطة القرار في وزارته.

و نظرا لما أظهره أسلوب التركيز الإداري من محدودية الفعالية الإدارية، نظرا لطابعه البروقراطي، لم يعد ممكنا الإعتماد عليه في تدبير الأنشطة الإدارية للدولة، و لكونه أيضا لا يتوافق و أهداف الديموقراطية التي تقوم على مبدأ توزيع الإختصاصات، الأمر الذي دفع بالدول إلى تبني أسلوب عدم التركيز الإداري أو اللاتركيز الإداري.

و يقصد باللاتركيز الإداري، نقل بعض السلطات أو الإختصاصات لممثلي و موظفي الدولة أو السلطة المركزية في العاصمة أو في العمالات والأقاليم، وتمكينهم من سلطة البت نهائيا في بعض القرارات دون حاجة الرجوع إلى الوزير أو إلى الإدارة المركزية،وتمارس هذه الإختصاصات تحت إشراف الوزير و في إطار السلطة الرئاسية.

و هكذا، يعتبر اللاتركيز الإداري (عدم التركيز) صورة أدنى من اللامركزية الإدارية و صورة أرقى من التركيز الإداري، بالنظر إلى الفعالية و الأثر الذي يحدثه في حياة الإدارة و بنياتها الإدارية، أمام تقوية وتعزيز الإختصاص التقريري للمصالح اللاممركزة أي المصالح الخارجية، و التي تجسدها آلية تفويض الإختصاص”، كأسلوب لتنظيم الإدارة، و هنا نكون أمام نظام المركزية النسبية أو الجزئية أو البسيطة أو اللاوزارية بالنظر إلى كون السلطة المركزية تعمد إلى تفويض الإختصاص للمصالح اللاممركزة، مع الإبقاء على نظام التسلسل الإداري أو الرئاسي الذي يؤطر العلاقة بين الإدارة المركزية و المصالح اللاممركزة.

و إذا كان اللاتركيز الإداري هو أسلوب تعتمده الإدارة في تدبير نشاطها الإداري عن طريق نقل بعض الإختصاصات لموظفي الدولة في العاصمة أو في العمالات و الأقاليم، مع إبقائهم خاضعين للسلطة المركزية في إطار تطبيق نظرية السلطة الرئاسية أو التسلسلية، فإنه و رغم هذا التحول من التركيز إلى اللاتركيز الإداري، لكنه لا يعبر على الإنتقال إلى تبني الديموقراطية التمثيلية في التدبير الإداري، و هو الشكل الذي يتخذ نظام اللامركزية الإدارية الذي يقوم على توزيع السلطات بين الدولة و هيئات محلية مستقلة ومنتخبة، لا تخضع للسلطة المركزية مباشرة، إلا في حدود المراقبة الإدارية التي تمارسها السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.

2 – اللامركزية الادارية أو الجهوية الإدارية

يتميز نظام اللامركزية الإدارية بتوزيع الوظائف الإدارية، وذلك عن طريق تحويل إختصاصات و وظائف إدارية من الإدارة المركزية إلى هيئات إدارية إقليمية أو ترابية منتخبة تتمثل في الجهات والعمالات و الأقاليم و الجماعات، و كذا إلى هيئات مرفقية أو مصلحية تتمثل في المؤسسات العمومية، تتمتع جميعها بالشخصية الإعتبارية و الإستقلال المالي والإداري، مع إخضاعها وجوبا للمراقبة الإدارية للسلطات المركزية.

و اللامركزية الإدارية تتخذ شكلين، وهما اللامركزية الترابية أو الإقليمية و اللامركزية المرفقية أو المصلحية، كأسلوب في الحكم و في تنظيم الإدارة و علاقة الدولة بالمواطنات والمواطنين.

و تعتبر اللامركزية الإقليمية بأنها هي الإدارة المحلية كشكل من أشكال التنظيم الإداري اللامركزي الإدارة المحلية أو الترابية حيث يتم منح جزء من التراب الوطني أو وحدات إقليمية، الشخصية الإعتبارية، وتمتيعها بالإستقلال المالي والإداري، من أجل ضمان الإشراف على المرافق المحلية، ضمن الإختصاصات المقررة لها بمقتضى الدستور و القوانين و تحت مراقبة السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية.

و من المعلوم أن اللامركزية الترابية أقدم من اللامركزية المرفقية، فالأولى نطاقها إدارة شؤون الجماعة ضمن وحدة ترابية وفق منهج الديموقراطية التمثيلية بواسطته يتولى سكان الجماعات الترابية إدارة شؤونهم ومرافقهم عبر ممثليهم في المجالس المنتخبة .

في حين أن اللامركزية المرفقية أو المصلحية، يمثلها مرفق عام وطني أو إقليمي يتمتع بالشخصية الإعتبارية و الإستقلال المالي والإداري الذي يبقى خاضعا للمراقبة الإدارية التي تمارسها الحكومة و هو الشكل الذي ينطبق على المؤسسات العمومية الوطنية والمحلية و اعتبرها جانب من الفقه بأنها تمثل اللامركزية الوظيفية لكونها تعتمد أسلوب التعيين في اختيار رؤسائها وأعضاء مجالسها، و لا تخضع لأسلوب الإنتخاب الذي يحكم و يؤطر اللامركزية الترابية.

و أهم ما تتميز به اللامركزية الترابية، أنها تقوم على ثلاثة أركان، و هي:

– إعتراف المشرع بوجود مصالح محلية أو ترابية متميزة عن المصالح الوطنية

– وجود هيئات محلية منتخبة تتولى إدارة المصالح المحلية

– خضوع الهيئات المحلية (الجماعات الترابية)، للمراقبة الإدارية التي تمارسها السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، تطبيقا لأحكام الدستور ، و القوانين التنظيمية للجماعات الترابية.

ثالثا: اللامركزية السياسية أو الجهوية السياسية: الأسس والمبادئ

من وجهة نظر القانون الدولي والأنظمة الدستورية الكبرى، تتخذ الدول شكل دول موحدة، أو دول مركبة، هذه الأخيرة قد تكون فيدرالية كالولايات المتحدة الأمريكية، التي تتكون من خمسين (50) ولاية أو فيدرالية، أو “جهوية”، كإسبانيا التي تنقسم إلى مناطق الحكم الذاتي Communidades autonomes التي تم اعتمادها بموجب الفصل 143 من دستور 1978، في إطار وحدة الدولة التي تتكون من سبعة عشر (17) منطقة تتمتع بالحكم الذاتي.

و هكذا، فالدول البسيطة أو الموحدة تمارس السيادة بها من طرف سلطة مركزية واحدة في العاصمة، كما أن سلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية بدروها موحدة، سواء في ظل أسلوب المركزية الإدارية أو أسلوب اللامركزية الإدارية كشكلين من أشكال ممارسة الوظيفة الإدارية.

لكن الوضع يختلف بالنسبة للدول المركبة، التي تتكون من عدة دويلات أو ولايات بحيث أن الدولة في ظل نظام اللامركزية السياسية أو الجهوية السياسية تأخذ شكل الدولة الإتحادية أو الدولة الفيدرالية التي تتميز بتوزيع مظاهر السيادة بين الحكومة الإتحادية و بين الحكومات المحلية في الولايات أو في الجهات.

في الدول المركبة تمارس الدولة الإتحادية السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية كما تتمتع الولايات المكونة للإتحاد أو الفيدرالية بإختصاصات تشريعية و تنفيذية و قضائية و هذا الشكل من الدول يمارس في إطارها نظام اللامركزية السياسية أو الجهوية السياسية كأسلوب من أساليب الحكم المستمد من دستور الدولة الإتحادية، أي أن الدستور هو من يعلن عن تبني نظام الدولة الإتحادية، و يحدد اختصاصات الولايات أو الجهات المكونة للدولة الإتحادية. في حين أن اللامركزية الإدارية هي ظاهرة إدارية أو أسلوب من أساليب الإدارة لا الحكم يجد سنده في القانون، ويمكن للدولة الموحدة كما الدولة المركبة الأخذ به، علما أن اللامركزية السياسية لا توجد مبدئيا إلا في الدول المركبة أو الفدرالية، وتشمل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بحيث أن تنظيم الولايات أو الجهات، شأن دستوري للدولة الإتحادية غير قابل للمساس، إلا في حال تعديل الدستور، لأن توزيع السلطات في الدولة الإتحادية يكون بين الحكومة الإتحادية في العاصمة والولايات أو الجهات، بحيث تتمتع كل ولاية أو جهة ببرلمان و حكومة ومجلس قضاء ، لكن في إطار دولة موحدة سياسيا و لو في ظل وجود دساتير خاصة بالولايات أو الجهات إلا أنه يجب ان تكون متوافقة و متطابقة مع دستور الدولة الإتحادية الذي يعتبر المرجع في حال تنازع الإختصاصات.

و إذا كانت الدولة البسيطة أو الموحدة تنفرد بإدارة شؤونها الداخلية والخارجية (فرنسا، تركيا، المغرب)، الأمر الذي يعني بأن السيادة فيها غير مجزأة، تمارس بواسطة سلطة تشريعية وتنفيذية وقضائية واحدة، وفقا لدستورها الذي يطبق على كافة أنحاء إقليم الدولة.

و تمتاز أيضا الدولة الموحدة، بتطبيق اللامركزية الإدارية بشقيها اللامركزية الترابية أو الإقليمية، واللامركزية المصلحية أو المرفقية.

و من جهة أخرى، يجب التمييز بين الاتحادات التي تؤطرها معاهدات دولية و تخضع الأحكام القانون الدولي نظام الكنفدرالية، والإتحاد الذي مصدره القانون الدستوري.

الدولة الإتحادية ليست إتفاقا بين الدول (الكونفدرالية)، لكنها دولة مركبة، تتكون من ولايات، لكل ولاية دستورها و قوانينها الخاصة و سلطتها التشريعية والتنفيذية والقضائية في حين تتمتع الدولة الإتحادية بدستورها الإتحادي و سلطاتها التشريعية و التنفيذية و القضائية، وكذا تولي الشؤون الخارجية والدفاع و السلطة النقدية Autorité monétaire، و هي من تكتسب الشخصية الدولية، أما الولايات المكونة للاتحاد فلا تملك الشخصية القانونية الدولية.

– (يتبع في الجزء الثالث)

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.