صباح الشرق
لم يعد الحديث عن الشراكة المغربية-السنغالية يندرج في إطار التعاون الثنائي الكلاسيكي، بل أصبح جزءا من معادلة أوسع تتشكل داخل القارة الإفريقية، حيث تتقاطع رهانات الاستثمار، واللوجستيك، وسلاسل القيمة، مع صراع متصاعد بين قوى إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي.
في هذا السياق، تكتسي التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، خلال انعقاد الدورة الخامسة عشرة للجنة العليا المختلطة للشراكة المغربية-السنغالية، دلالة استراتيجية تتجاوز الأرقام المعلنة حول المبادلات والاستثمارات، لتؤشر على تموقع مغربي واع داخل سباق إفريقي محموم، لم تعد فيه الأسواق مجرد فضاءات استهلاك، بل ساحات نفوذ طويل الأمد.
فالسنغال، باعتبارها واحدة من أكثر دول غرب إفريقيا استقرارا سياسيا ومؤسساتيا، تحولت إلى نقطة جذب رئيسية لمختلف الفاعلين الدوليين: فرنسا تسعى للحفاظ على نفوذها التاريخي، الصين تعزز حضورها عبر البنيات التحتية والقروض، تركيا توسع شبكاتها التجارية واللوجستية، فيما تشتغل دول الخليج على توظيف الاستثمار المالي والعقاري كأداة تأثير.
وسط هذا التزاحم، يطرح النموذج المغربي نفسه كخيار مغاير، يقوم على منطق الشراكة المنتجة بدل التبعية، وعلى نقل الخبرة بدل الاكتفاء بتصدير الرساميل.
ويعزز هذا التموقع كون المغرب لا يدخل السوق السنغالية بصفته فاعلا خارجيا معزولا، بل كقوة إفريقية صاعدة، تستثمر في قطاعات مهيكلة تمس السيادة الاقتصادية، مثل البنوك، والتأمين، والصناعة الدوائية، والفلاحة، ومواد البناء، وهو ما يمنحه نفوذا ناعما ومستداما، أقل صدامية وأكثر تجذرا داخل النسيج الاقتصادي المحلي.
وفي المقابل، تمثل السنغال للمغرب ركيزة استراتيجية في سباق التموقع داخل غرب إفريقيا، خاصة في مواجهة منافسين إقليميين، على رأسهم نيجيريا وجنوب إفريقيا، اللتين تسعيان بدورهما إلى لعب دور القاطرة الاقتصادية القارية. ويكتسي هذا التنافس بعدا إضافيا في ظل تفعيل منطقة التجارة الحرة الإفريقية، حيث سيعاد ترتيب موازين القوى بناء على القدرة على التحكم في سلاسل التوزيع، والبنيات اللوجستية، ومراكز الإنتاج الإقليمي.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل الشراكة المغربية-السنغالية عن الرهانات اللوجستية الكبرى التي يشتغل عليها المغرب، وعلى رأسها محور الداخلة الأطلسي وميناؤها المستقبلي، الذي يراد له أن يكون نقطة ارتكاز جديدة في الربط بين إفريقيا الأطلسية، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية،فهذه البنية لا تستهدف فقط تسهيل التصدير، بل تمكين المغرب وحلفائه الأفارقة من تقليص كلفة التبعية للممرات التقليدية الخاضعة لنفوذ قوى خارج القارة.
كما تندرج هذه الدينامية ضمن المبادرة الملكية لفائدة البلدان الإفريقية الأطلسية، ومشروع فك العزلة عن بلدان الساحل، اللذين يعيدان تعريف مفهوم النفوذ داخل إفريقيا، ليس باعتباره هيمنة سياسية، بل قدرة على توفير الولوج إلى البحر، وتأمين الممرات التجارية، وربط الاقتصادات الداخلية بالأسواق العالمية.
وبهذا المعنى، فإن الشراكة المغربية-السنغالية تشكل نواة صلبة لمحور اقتصادي إفريقي قادر على التفاعل مع تنافس القوى الدولية من موقع الفاعل لا التابع، ومن موقع الشريك لا الساحة المفتوحة، وهو رهان يتجاوز منطق الربح الآني، ليؤسس لتموقع استراتيجي طويل النفس، يعيد رسم أدوار بعض الدول الإفريقية داخل النظام الاقتصادي القاري والدولي.
وخلاصة القول، فإن ما يجمع الرباط وداكار اليوم ليس فقط تقاطع مصالح اقتصادية، بل تقاطع رؤى حول إفريقيا التي تريد أن تتحول من موضوع للتنافس الدولي إلى طرف فاعل في صياغة قواعده، وهو ما يجعل من هذه الشراكة أحد أبرز ملامح التحول الجاري في ميزان القوى داخل القارة



