مليارات الدعم العمومي دون عدادات النتائج

daoudi
آخر الأخبارالوطنية
11 فبراير 2026

IMG 20260211 WA0012  - www.sabahachark.com

صباح  الشرق

يقدم التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنتي 2024-2025 مادة تحليلية مهمة لفهم ديناميات الدعم العمومي الموجه للمجتمع المدني ومؤسسات الأعمال الاجتماعية، ويكشف عن مفارقة مركزية بين توسع حجم التمويل العمومي وضعف الأطر المؤسساتية لتتبع الأثر وتقييم النجاعة.
فقد بلغ إجمالي الدعم العمومي الموجه لهيئات المجتمع المدني والمؤسسات غير الربحية خلال سنتي 2023 و2024 ما مجموعه 3,53 مليار درهم، منها 1,57 مليار درهم كدعم مباشر لفائدة 984 جمعية ومؤسسة.

ويعكس هذا الحجم المالي إدراكا متزايدا لدور الوسيط الذي تضطلع به هذه الهيئات في تنفيذ السياسات الاجتماعية والقطاعية، خاصة في مجالات التعليم الأولي، محاربة الهدر المدرسي، والتنظيمات المهنية الفلاحية المرتبطة بتنزيل استراتيجية “الجيل الأخضر”.

غير أن التقرير يبرز، في المقابل، محدودية الإطار المفاهيمي والمؤسساتي لتقييم الأثر الاجتماعي والتنموي لهذه التدخلات، إذ يسجل غياب منظومة متكاملة لمؤشرات الأداء والنتائج، وتأخر إصدار الإطار القانوني المنظم للدعم العمومي للجمعيات، وهو ما يقوض مبادئ الحكامة الجيدة القائمة على الشفافية، وربط التمويل بالمردودية، والتعاقد على النتائج.

كما تكشف مهام الرقابة عن تفاوت كبير في القدرات التدبيرية والتنظيمية للهيئات المستفيدة، وعن ضعف في آليات الانتقاء والتأطير والتتبع، الأمر الذي يحد من فعالية التدخلات ويطرح إشكالات مرتبطة بالعدالة في توزيع الموارد العمومية. وتكتسي هذه الملاحظات أهمية خاصة في سياق تبني المغرب مقاربة الميزانية المبنية على النتائج، التي تقتضي وجود مؤشرات قياس دقيقة، ونظم معلوماتية قادرة على تتبع الأثر على المدى المتوسط والبعيد.

وفي ما يتعلق بمؤسسات الأعمال الاجتماعية للموظفين، يشير التقرير إلى أن الدعم العمومي بلغ حوالي 3,56 مليار درهم خلال سنتي 2023 و2024، إضافة إلى موارد عينية أخرى تشمل العقارات والموارد البشرية ونفقات التسيير، ورغم أهمية هذا التمويل في تعزيز البعد الاجتماعي للوظيفة العمومية، يسجل التقرير غياب إطار قانوني وطني موحد يؤطر تدخلات هذه المؤسسات، وتفاوت الأسس القانونية وأنظمة الرقابة، وعدم ربط التمويل بمؤشرات أداء أو برامج تعاقدية محددة الأهداف والمخرجات.

كما يبرز التقرير غياب منظومة وطنية منسجمة للقيادة والتنسيق والتقييم، ما يؤدي إلى تفاوت في جودة الخدمات وكميتها بين المؤسسات والجهات الترابية، ويطرح إشكالية العدالة في الاستفادة بين فئات الموظفين. ويزداد هذا التحدي تعقيدا في ظل نقص المعطيات المفصلة في التقارير الاجتماعية الرسمية، ما يحد من إمكانيات التقييم الموضوعي ويضعف مستوى الشفافية والمساءلة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن منظومة الدعم العمومي في المغرب لا تزال في مرحلة انتقالية بين منطق التدبير الإداري التقليدي ومنطق الحكامة المبنية على النتائج، ومن ثم، فإن تطوير هذه المنظومة يقتضي استكمال الإطار القانوني والتنظيمي، وتعزيز أدوات التتبع والتقييم، وتبني مقاربة تعاقدية واضحة تربط التمويل بالأثر الاجتماعي والتنموي، بما ينسجم مع مقتضيات الدستور المتعلقة بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة وتقييم السياسات العمومية.

التقرير يطرح إشكالية مركزية تتجاوز حجم التمويل إلى طبيعة نموذج التدبير العمومي.. هل الدعم العمومي مجرد آلية لإعادة توزيع الموارد، أم أداة استراتيجية لتحقيق أهداف تنموية قابلة للقياس؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تظل رهينة بقدرة الفاعل العمومي على الانتقال من منطق الإنفاق إلى منطق النتائج، ومن مقاربة النوايا إلى مقاربة الأدلة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.