العيون سيدي ملوك كمدينة وسيطة.. الرهانات التنموية و تحديات الحكامة المحلية

daoudi
آخر الأخبارالعيون الشرقية
19 مايو 2026

IMG 20260519 WA0056  - www.sabahachark.com

صباح  الشرق / ح قاسمي

يشهد الحقل التنموي وإعداد التراب الوطني بالمغرب تحولا برادغماتيا نوعيا، يتجلى في الانتقال من المركزية الحضرية الحادة التي ميزت العقود الماضية، نحو تبني استراتيجيات شبكية تعتمد على التعددية القطبية المتوازنة.

وفي هذا السياق الاستشرافي، يشكل إدراج مدينة العيون سيدي ملوك بإقليم تاوريرت،كـ “مدينة وسيطة” ضمن المخطط التنموي لجهة الشرق، خيارا بنيويا يتجاوز الطابع الإداري التوصيفي ليرتقي إلى مرتبة الهندسة الترابية الهادفة إلى تحقيق الإنصاف المجالي والعدالة الاجتماعية.

وتعرف المدن الوسيطة في أدبيات التخطيط العمراني وسوسيولوجيا المجالات بأنها حواضر التوازن الديناميكي، التي لا تمتلك الضخامة الديموغرافية للمتروبولات الكبرى، لكنها تتوفر على قاعدة خدماتية ووظيفية تؤهلها للعب دور مزدوج يكمن في امتصاص الهجرة الوافدة من الجماعات القروية المحيطة بها، وتثبيت الساكنة في هوامش المنظومة الحضرية الكبرى، فضلا عن الربط الشبكي واللوجستيكي بين المراكز الجهوية الكبرى والمجالات شبه الحضرية والقروية المحيطة بها كـمشرع حمادي، عين الحجر، وحاسي بركان.

​إن اختيار العيون سيدي ملوك لتلعب هذا الدور السوسيو-مجالي لم يكن وليد الصدفة، بل يرتكز على مؤهلات جيواستراتيجية موضوعية، أبرزها محورية شبكة المواصلات وتموقع المدينة على خطوط التماس الهيكلية للمملكة، باختراقها من طرف الطريق السيار وجدة-الرباط، الطريق الوطنية رقم 6، وخط السكة الحديدية، وهو ما يمنحها ميزة المجال العاقد القادر على استقطاب التدفقات السلعية والبشرية،كما يضاف إلى ذلك تموقعها في منطقة النفوذ والارتداد الاقتصادي للمشاريع المهيكلة الكبرى بجهة الشرق، وعلى رأسها ميناء الناظور غرب المتوسط، مما يؤهلها لتكون قاعدة خلفية للخدمات واللوجستيك والصناعات التحويلية. ويروم المخطط التنموي لجهة الشرق، من خلال هذا التصنيف، الانتقال بالبنية السوسيو-اقتصادية للمدينة عبر تجاوز الوظيفة الكلاسيكية باعتبارها محطة استراحة أو ممر طرقي، وتحويلها إلى بيئة حضرية مندمجة وجاذبة للاستقرار البشري والاستثماري، مما يتطلب إعادة هندسة البنية التحتية الأساسية من تطهير سائل وتجهيزات هيدروليكية ومرافق القرب لرفع مؤشر جودة الحياة.

كما يستهدف القرار الإدماج الفعلي للمدينة في سلاسل القيمة الجهوية عبر خلق مناطق أنشطة اقتصادية، ناهيك عن إنعاش بيئة الأعمال، لتوفير بيئة حاضنة للمقاولات الناشئة والمستثمرين الخواص المرتقب استقطابهم بفعل التحفيزات المجالية والضريبية.

​غير أن تحويل هذا الأفق التخطيطي الاستراتيجي إلى واقع مادي ملموس يصطدم بجملة من الإكراهات البنيوية والمؤسساتية التي تختبر نجاعة التدبير العمومي المحلي، وفي مقدمتها الملاءمة التخطيطية وعقلنة المجال العمراني عبر الإسراع بوضع تصميم تهيئة من الجيل الجديد يستشرف التوسع العمراني للمدينة لعقود قادمة، ويحدد بدقة المناطق الصناعية والتجارية والسكنية، لمنع التوسع العشوائي والمضاربات العقارية التي قد تجهض المشاريع قبل بدايتها.

كما تشكل البنية العقارية المعقدة بالمنطقة، المتمثلة في تداخل أراضي الجموع والملك الخاص للدولة والملك الغابوي والخواص، إحدى الكوابح الأساسية لجلب الاستثمار، مما يجعل تطهير الأوعية العقارية وتوفير رصيد عقاري جماعي مرن ومحفز التحدي الأبرز أمام السلطات الإقليمية والمحلية لتوطين المشاريع المهيكلة.

ومن جانب آخر، يبرز تحدي الاستدامة المالية وتطوير الجبايات المحلية، حيث لا يمكن الرهان بشكل مطلق على التدخلات التمويلية المركزية أو الإمدادات المالية لمجلس الجهة.. بل يتعين على الجماعة الترابية للعيون سيدي ملوك تفعيل آليات النجاعة الجبائية وتطوير مواردها الذاتية عبر مراجعة وتجويد تحصيل الرسوم المحلية، وفي مقدمتها الرسم على الأراضي غير المبنية، وضمان تدوير حكيم للملك العمومي الجماعي لتأمين فوائض مالية قادرة على تحمل تكاليف صيانة البنيات التحتية الجديدة وضمان ديمومتها.

وينصهر كل ذلك في ضرورة تحقيق التقائية السياسات القطاعية بين الجماعة الترابية، السلطة الإقليمية، القطاعات الحكومية، مجلس الجهة، لتجنب سيادة القطاعية الضيقة التي قد تؤدي إلى تشتت الجهود وهدر الزمن التنموي في نزاعات تقنية وإدارية.

​تأسيسا على هذه المعطيات، يعد تصنيف العيون سيدي ملوك كـ “مدينة وسيطة” قفزة تشريعية وتخطيطية نوعية نحو إنصاف هذا المجال الترابي الحيوي بجهة الشرق، غير أن هذا القرار ليس غاية في حد ذاته، بل هو نافذة فرص تتطلب من النخب المحلية والجهوية الانتقال من منطق التدبير الإداري اليومي إلى منطق التدبير الاستراتيجي المقاولاتي، لتبقي العبرة في نهاية المطاف بمدى القدرة على ابتكار حلول مرنة لمعضلة العقار، وتفعيل حكامة جبائية محلية صارمة، مع صياغة قوة ترافعية مؤسساتية قادرة على تحويل الامتياز الجغرافي للمدينة إلى قطب اقتصادي مستدام ينعكس إيجابا على المؤشرات السوسيو-اقتصادية للمواطن المحلي

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.