صباح الشرق
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية، تنفض المجالس المنتخبة الغبار عن مشاريع ظلت لسنوات حبيسة الأدراج، لتتحول فجأة دواوير العالم القروي والمناطق الهشة إلى ورشات مفتوحة لتعبيد المسالك، وحفر الآبار، وتمديد شبكات الكهرماء.. هذه “الاستفاقة التنموية المفاجئة” ليست صحوة ضمير تدبيري، بل هي ممارسة موسمية مألوفة تندرج ضمن زبونية انتخابية مكشوفة، تسعى إلى مقايضة الاحتياجات الحيوية للساكنة، وتحويل الحقوق المرفقية البسيطة إلى “مكرمة” انتخابية يستمال بها الناخب في ربع الساعة الأخير.
إن توجيه هذه المشاريع الموسمية نحو العالم القروي تحديدا، هو بمثابة استغلال لحاجة الساكنة لفك العزلة وتأمين الموارد الأساسية كالماء الشروب، وهي ملفات حساسة ومصيرية لا تحتمل الارتهان بالأجندات السياسوية الضيقة، إلا أن هذا المشهد التدبيري المرتبك يصطدم اليوم بالتوجهات والدوريات الصارمة لوزير الداخلية.
ويضعنا هذا التزامن بين حمى المشاريع وتوجيهات وزارة الداخلية أمام مفارقة صارخة، فبينما يصر بعض المنتخبين على تسريع وتيرة صفقات اللحظة الأخيرة واستغلال النفوذ المالي للجماعات لإعادة تموقعهم السياسي، تتحرك سلطة الوصاية لتفعيل رقابة مشددة تمنع تحويل الميزانيات العمومية إلى وسائل استمالة غير مشروعة، مكرسة مبدأ تكافؤ الفرص بين كافة المتنافسين، ومنعا لإخلال التوازن التنافسي في الدوائر الانتخابية.
إن تحصين المسار الديمقراطي يتجاوز حدود الدوريات الزجرية للإدارة الترابية ليلامس دور اليقظة المدنية، فالساكنة اليوم، ورغم مظاهر الهشاشة، أضحت أكثر وعيا بذكائها الجمعي، وباتت تميز جيدا بين المشاريع الهيكلية المستدامة النابعة من مخططات تنموية حقيقية، وبين “مشاريع الماكياج الانتخابي” التي قد ينتهي بريقها وتتوقف آلياتها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.



