صباح الشرق
مع هبوب أولى النسمات الساخنة لهذا الصيف، وفي الوقت الذي كان فيه المواطن يمني النفس بليال هادئة يستمتع فيها بنسمات المساء،و إن علا نباح الكلاب الضالة، قررت “المجالس الجماعية الموقرة” ومكاتبها الأسطورية لحفظ الصحة أن تمنح الساكنة تجربة “ميدانية” فريدة من نوعها في فقه التعايش القسري مع الطبيعة، رافعة شعارها الخالد لهذا الموسم: ” الجماعة خارج التغطية.. والبعوض في خدمتكم بعد التحلية”
اليوم، تحولت أحياء و زقاق إلى ساحات معارك جوية مفتوحة، حيث شنت “الفصائل المسلحة” من البعوض والحشرات الطائرة غزوات متتالية، لم تستثن إلا المحظوظين.. والمثير للاهتمام هو ذاك “التنسيق العالي” بين تقاعس المصالح الجماعية ونشاط الحشرات، فكلما زاد برود المسؤولين في اتخاذ الإجراءات، كلما زادت حماسة “شنيولة” في امتصاص ما تبقى من الدماء في العروق .
العبقرية التدبيرية الموقرة ترفض منطق “الوقاية خير من العلاج” جملة وتفصيلا، فبينما تقود الجماعات التي تحترم الساكنة حملات استباقية لتعقيم البرك المائية، والمستنقعات، و المجاري ، ومحيط الأسواق.. تفضل جماعاتنا الانتظار حتى تحصل الحشرة على “الدكتوراة” في الطيران، وتؤسس “نقابات” لها في شقوق قنوات الصرف الصحي، وتبدأ في فرض “حظر التجوال” على الساكنة.
عندها فقط، وبعد أن يضج الفيسبوك بالشكاوى وتصل “الحكة” إلى ذروتها،هل يستفيق المسؤول من سباته الصيفي ليأمر بتحريك شاحنة عتيقة، تنفث دخانا أبيض لا يقتل البعوض بقدر ما يمنحه تأثيرا سينمائيا جميلا، تخرج منه الحشرات وهي تسعل ضاحكة، متوجهة نحو أقرب غرفة نوم لتكمل سهرتها مع المواطن المغلوب على أمره.
المواطن الذي يسمع عن أرقام تصرف في ميزانيات “حفظ الصحة”، يجد نفسه اليوم أمام خيارين أحلاهما مر..إما أن يغلق النوافذ في عز الصهد ويموت مخنوقا بالحرارة، أو يفتحها ليتحول جسده وجسد أطفاله إلى “خريطة تضاريسية” من اللسعات والانتفاخات.
والسؤال الذي يفرض نفسه..أين مخصصات المواد الكيماوية وآليات الرش؟ هل تم “رشها” هي الأخرى في قطاعات تفتقر للشفافية؟ أم أن الجماعة تنتظر هطول أمطار الخريف ليقضي الله أمرا كان مفعولا، وتوفر ميزانية المازوط لشيء “أهم”؟
الحقيقة المرة التي نغلفها بالاضطرار في ورق السخرية، هي أن صحة المواطن وراحته البيئية سقطت منذ زمن من مفكرة المدبر المحلي، الذي لا يرى في “المواطنة” سوى صندوق اقتراع يفتح كل بضع سنوات، وإلى أن تدرك مكاتب حفظ الصحة أن دورها هو النزول إلى النقاط السوداء قبل أن يفيض الكيل، ما على الساكنة إلا الاستثمار في “المناشير ” وبومادات الحكة، والدعاء بأن يمر هذا الصيف بأقل الأضرار..



