صباح الشرق / ن ميموني
تتجدد المخاوف بشأن تنامي ظاهرة الكلاب الضالة بعدد من المدن المغربية، في ظل استمرار ظهور مجموعات منها بالشوارع والأزقة والأحياء السكنية، فضلاً عن محيط المؤسسات التعليمية والأسواق والفضاءات العمومية، وهو ما يثير قلق المواطنين ويعيد إلى الواجهة إشكالية السلامة العامة ومخاطر التعرض للعض والخدش، فضلاً عن التهديد الصحي المرتبط بداء السعار.
وتكتسي هذه المخاوف أبعاداً أكثر خطورة في ضوء المعطيات المسجلة خلال سنة 2024، والتي تشير إلى تجاوز عدد حالات العض والخدش المرتبطة بالكلاب 100 ألف حالة، مقابل تسجيل 33 وفاة بداء السعار. وفي انتظار توفر حصيلة وطنية محينة ومؤكدة بشأن سنتي 2025 و2026، تظل هذه الأرقام مؤشراً مقلقاً على حجم التحديات الصحية والوقائية التي تطرحها الظاهرة.
ولا يقتصر تأثير انتشار الكلاب الضالة على المخاوف التي تنتاب السكان أثناء تنقلهم اليومي، بل يمتد إلى تهديد سلامة فئات أكثر عرضة للخطر، وفي مقدمتها الأطفال والتلاميذ وكبار السن، خصوصاً في المناطق التي تعرف تجمعات متكررة لهذه الحيوانات. كما أن وجودها بالقرب من المدارس والمرافق العمومية يطرح تساؤلات بشأن مدى فعالية التدابير المتخذة لضمان سلامة المواطنين والحد من المخاطر المحتملة.
وتتجاوز خطورة الظاهرة حالات العض والخدش، بالنظر إلى ارتباطها باحتمال انتقال داء السعار، الذي يعد من الأمراض الخطيرة والمميتة بمجرد ظهور أعراضه السريرية. لذلك، فإن التعرض لعضة أو خدش من حيوان يُشتبه في إصابته يستوجب غسل الجرح فوراً بالماء والصابون لمدة 15 دقيقة تقريباً، والتوجه بشكل عاجل إلى مؤسسة صحية لتقييم الحالة وتلقي العلاج الوقائي المناسب، دون انتظار ظهور الأعراض.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تعزيز حملات التوعية والتحسيس، وتيسير الولوج إلى التلقيح والعلاج الوقائي، إلى جانب تقوية آليات مراقبة الحيوانات والحد من مصادر انتشار العدوى، باعتبارها إجراءات أساسية للوقاية من المرض وتقليص انعكاساته الصحية.
ورغم المبادرات المعلنة لمواجهة الظاهرة، بما فيها إحداث وتجهيز محاجز ومراكز متخصصة، واعتماد التلقيح والتعقيم للحد من تكاثر الكلاب الضالة، فإن استمرار شكاوى المواطنين بشأن انتشارها في عدد من المناطق يفرض إعادة تقييم مدى نجاعة هذه التدابير، ومدى انعكاسها الفعلي على الوضع الميداني.
وتتحمل الجماعات الترابية، بتنسيق مع المصالح الصحية والبيطرية والسلطات المختصة، مسؤولية تعزيز التدخلات الميدانية وفق مقاربة مستدامة، تقوم على رصد بؤر انتشار الكلاب الضالة، والتفاعل السريع مع شكايات السكان، وتوفير الإمكانات اللازمة لتنفيذ برامج التلقيح والتعقيم والإيواء، مع احترام القواعد القانونية ومبادئ الرفق بالحيوان.
كما أن معالجة هذه الإشكالية لا يمكن أن تقتصر على تدخلات ظرفية أو حملات محدودة زمنياً، بل تستدعي وضع برامج محلية واضحة الأهداف، مدعومة بموارد بشرية ولوجستية كافية، ومواكبة بمؤشرات دقيقة تسمح بقياس تطور الظاهرة وتقييم نتائج التدخلات المعتمدة.
وفي ظل غياب معطيات وطنية محينة ومؤكدة بشأن تطور حالات العض والخدش والوفيات المرتبطة بداء السعار خلال سنة 2025، تظل أرقام سنة 2024 جرس إنذار يستدعي التعامل مع الملف بجدية أكبر، بعيداً عن الحلول المؤقتة التي لا تعالج أسباب الظاهرة ولا تضمن الحد من مخاطرها على المدى الطويل.
وأمام تصاعد مخاوف المواطنين، يبرز السؤال بشأن مدى قدرة البرامج المعتمدة على تحقيق نتائج ملموسة في الأحياء والشوارع، ومدى توفر الجماعات الترابية على الإمكانات الضرورية لتنفيذها بانتظام وفعالية.
فحماية المواطنين من مخاطر الكلاب الضالة لم تعد مجرد مطلب مرتبط براحة السكان أو الإحساس بالأمان في الفضاءات العامة، بل أصبحت قضية صحة عامة تستوجب تنسيقاً مؤسساتياً مستمراً، وتقييماً شفافاً للنتائج، وتدخلاً ميدانياً فعالاً يوازن بين سلامة المواطنين واحترام قواعد الرفق بالحيوان.



