اليوم vendredi 27 novembre 2020 - 3:04
أخر تحديث : mercredi 30 octobre 2013 - 5:21

رواية : زهرة من قاع البحر

www.sabahachark.com

الأم: لا تفترقا إنكما أمانة لبعضكما وداعا إنها مشيئة الله اعتنيا ببعضكما كي نلتقي مرة أخرى إلى اللقاء.
و بعدها رفعت رأسك لصدري،  و لما عدت لأرى أمي و جدتها برفقة أبي و الناس فألقوا لي بهذه الدمية فاستفقت و خفت أن أنام  و أعاود الكابوس.
الأخ:لا عليك(محاولا طمئنة أخته التي أخذ الخوف منها مآله) يقال إن الأحلام تفسر بعكسها يا صغيرتي، آه آه إنه ربما الفيلم الذي شاهدته ليلة الأمس لأنه كان مرعب بعض الشيء ، هيا انسي الأمر لا عليك لن تسبقين فأنا الذي سأسبقك و سأجلس بالمقعد الأمامي هاي،
الأخت:ها ها ها ، انتظر لا تكن مخادعا انتظر حتى أودع الشجرة،
فعانقت جدع الشجرة و قبلتها بقوة فانطلقت نحوه وهي تجر الدمية البيضاء في يدها.
حان موعد جمع الأغراض. فوقف الأب في الباب بعدما أقفلها إقفالا وكأن لا زائر من بعده ولا داخل منها، إلا بعد تكسيرها فبدأ يبتعد عليها بهدوء متأملا إياها كما لوأنه يودع أعز ما للإنسان، فكسر صمته المخيف كلمات أبنائه المتسابقين، فاجتمعت الأسرة الصغيرة، فخاطبهم كما يخاطب جنوده بمعسكر التدريب فقال:
الأب: هل الكل جاهز؟
الأسرة: نعم سيدي.
الأب: كل شيء في السيارة؟.
الأسرة: نعم سيدي.
الأب: إذن فلنتوكل على الله .
لم يدرك أن كلماته الأخيرة فيها نوع من المفاجأة من المجهول القادم، فانطلقت السيارة والكل بداخلها بدأت الأسرة تمضي نحو سبيلها فاستدار الصبية ليتركوا بنظراتهم منزلهم الصغير الذي يوجد على يمين الشجرة الصغيرة والتي لطالما كانت شجرة الاعتراف للصبية،  والساعة تشيرحينها إلى الرابعة مساءا هي ميلاد حياة جديدة وميلاد إقلاع الأسرة في بر الأمان وأي أمان بعدما صارت الحياة والزمان لا يؤتمنان في دنيانا هذه، وككل ما في الكون مرت على الرحلة طاحونة الزمن وما كان لأحد علم بما ينتظرهم، وما صِّير لهم إلا هو، رفعت الأقلام وجفت الصحف، إن المميز في هذه الرحلة هو طابع السرور الذي كان يخيم داخل كبسولة الموت التي أحسن استعمالها في بلدنا العزيز، بدأ النوم يخيم على الأطفال فناد عنهم الأب قائلا:
الأب: يا أبنائي لا تناموا حتى نأخذ وجبة العشاء، كعادة سفرنا، هيا انهضوا يا كسالى أين سنتوقف أين…؟ هنا، أم هناك آه، حسنًََ، إذن دعوني أوقف السيارة هنا وبعدها نذهب لذلك المطعم.
خرجت الأسرة من السيارة بعد توقفها، كانت المدينة الصغيرة مزينة بأضواء ملونة ومزخرفة حينها جر الابن يد أبيه قائلا:
الابن:    أنظر يا أبي ما أجمل هذا الشارع المزخرف بألوان حمراء وأخرى صفراء
آية الله:    نعم هذا جميل، أمي أنظري لتلك اللوحة التي يسلط عليها الضوء.
الأم:   نعم إن ناحتها يدا مغربية تقليدية من التراث القديم، و ذلك تمثال للمفكر المغربي ابن خلدون. هيا لندخل لذلك المطعم يبدو على أحسن حال.
دخلت الأسرة الصغيرة المسرورة والمندهشة بجمال المكان إلى المطعم الذي كان مشحونا بالحب الأسري.
…وهم يتناولون العشاء كانت آثار التعب على الأب ظاهرة وطيف النوم يحلق فوق حاجبيه ولكنه لم يستطع إخفاء الأمر على من شاركته المر والحلو، فقالت له بكلمات مملوءة بالجدية ومدعومة بالخوف والحب بعدما ناولت ابنتها قطعة لحم مشوية.
الأم:   لن نقلع من هنا حتى تأخذ قسطا من الراحة أولا فالنوم يخطي عينيك والطريق ليست على المستوى المطلوب لذلك، والناس يعتقدون أن السرعة هي الحل الوحيد للوصول في الوقت المحدد لربح الوقت دون أن يدركوا أن الوقت المربح قد يكون ضدهم يوما ما ياعزيزي، وأنا لا أريدك أن تكون منهم، فأرجوا أن تسمع كلامي ولو مرة في حياتنا.
الأب:    لا عليك يا عزيزتي فأنا والنوم واحد لن أنام فلا تنسي أن لي عملا ضروريا في صباح الغد.
الأم:    ولكن السرعة خطر علينا وعلى أبنائنا أيضا.
فرد عليها محاولا إقناعها,
الأب: لا عليك إني أحسن القيادة وقد شربت كوبين من البن المركز رجاءا. فكوني مطمئنة يا نور عيني ويا أم أبنائي.
الابن: أمي إن أبي قوي ويحسن القيادة ولا تنسي أنه هو المسؤول أمنيا على مدينتنا الكبيرة وأنه يقود سيارته بسرعة أثناء المطاردة أليس كذلك.
آية الله:     نعم أبي قوي وأقوى رجل في العالم.
كل هذا الحوار وأكثر دار على مسمع من الأطفال إذ شاركوا فيه أيضا.  فانطلقت الأسرة، بينما كانت أول الإعلانات في الطريق هي ” لا تسرع يا أبي إننا في انتظارك ” فلم يرضخ الزوج لزوجته المؤمنة والتي تخاف على أسرتها. أسدل النوم جناحيه على الأطفال في مقاعدهم الخلفية، فبعد أن  ابتعدت الأسرة ببضع كيلومترات عن مكان عشائهم، نامت الأم بعد أن أكدت ضرورة أخذ الحيطة والحذر،  والسيارة هي الوحيدة بالطريق، الكل مظلم فقط هي النجوم في السماء ترسل إشارة الحياة بها، حل الصمت داخل الكبسولة، فقط صوت احتكاك العجلات بالطريق ممزوجا بصوت المحرك وبعض نوتات جهاز التبريد.
بدأ الأب يتأمل بنظرات اشتياق و حنين وحب و كأنها الأخيرة، في زوجته النائمة وأبنائه في الخلف الذين  ألفوا سمفونية الشخير فابتسم بصمت تام كما لو أنه يعلم المصير،  وبدون علم انسل النعاس لكنه لم يستسلم بسهولة له، إلا أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن أو السفن تبحر بما لا تشتهيه الرياح، بدأ طيف النوم يحلق فوق رأس الأب فيغمض عينيه ثم يفتحها بقوة وصعوبة. لم يبقى على دخولهم بوابة المدينة إلا جبال تلقي  صباح مساء بقممها على السحب و منعرجات بالفج الوعر أي خط فاصل بين الحياة والموت فكانت تلك الرمشة الأخيرة، وآخر ما يأخذه من هذه الدنيا وجمالها، عاود الأب إغماض عينيه بضع ثوان بتلك المنعرجات الصعبة جدا، وبدون شعور أو حتى اهتمام ضغط بثبات على دواسة السرعة فكانت هذه الأخيرة هي مربط الفرس، إذ أسرعت الكبسولة بين المنعرجات بسرعة كبيرة ومن حسن القدر أو سخريته بهم. كانت في الواجهة الأمامية حافلة تحاول اجتياز المنعرجات محاولة صعود قمة الجبل بصعوبة، وخلف المقود الحياة؟ أم الموت؟. انزاحت السيارة عن الطريق فاستفاق الأب من غفوته ليجد الزمن قص منه نصف حياته كان الوقت ضيقا جدا فلم يجد ما يفعله لإنقاذ أسرته أو حتى نفسه التي باتت رهينة في يد القدر ففتحت عيّنَها، ليجد ضوء الحافلة القوي جدا آخر ما تراه عيناه. ما بيده حيلة. ولا قوة ولا حتى ليراجع أوراقه في ذهنه، أبدا. فوضع يديه على رأسه وترك المقود للمصير، فكانت الكارثة الكبرى، أن اصطدمت السيارة بالحافلة …..

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.