صباح الشرق
ليس الفساد في التدبير مجرد “انحراف” سلوكي لشخص أضعفته إغراءات المال،و تبعات مصاريف “البيدويزر” بل هو “عقيدة إدارية” متجذرة، تجعل من رحيل المسؤول عن الإقليم مجرد “خروج جسدي” لا ينهي نفوذه، بل يحوله إلى “شبح” يحكم من خلف الستار.
ما يتردد اليوم في الردهات عن انبعاث شواهد إدارية بـ “التاريخ الرجعي”، ليس مجرد خبر عابر، بل هو “فضيحة ” مكتملة الأركان، تكشف كيف يتم اغتيال القانون بدم بارد على يد من يفترض أنهم “حراسه”.
نحن أمام “تكنولوجيا” شيطانية لتزوير الزمن؛ حيث يتحول العون إلى “ساحر” يبعث الحياة في تواريخ ولت، ليسهل منح “صكوك غفران” إدارية لمن دفع الثمن..حيث إصدار شهادة بتوقيع مسؤول غادر الإقليم، وتاريخ يسبق رحيله بأشهر أو سنوات، ليس تلاعبا بالأوراق فحسب، بل هو “سطو مسلح” على المشروعية. هؤلاء “الوسطاء” الذين يشتغلون في العتمة، ينسجون خيوط تحالف هجين بين “سلطة مغادرة” و”منتخبين جشعين”، هدفهم الوحيد هو تحصين قلاع “الريع” التي بنيت بمداد التقارير المخدومة والمحاباة الانتخابية.
إن خطورة هذا “اللعب بالنار” تكمن في كونه يجعل من “صاحب السلطة” خصما للمواطن البسيط، وحليفا لـ “سماسرة الانتخابات” و”أباطرة العقار”..كيف يمكن لمدينة تتطلع لغد أفضل أن تنهض، بينما أسرار “أرشيفها” تسرب إلى سوق النخاسة؟ وكيف ننتظر استثمارا حقيقيا في منطقة يتخذ فيها هؤلاء “المرفق العام” “ضيعة خاصة” يوزع فيها المسؤول المغادر “غنائمه” عبر شبكة من الأتباع الذين لا يزالون يدينون له بالولاء أكثر مما يدينون للقانون؟
لسنا اليوم في حاجة إلى لجان تفتيش تكتفي بـ “تصفيف” الأوراق،أو قرصة أذن من مسؤول، بل في حاجة إلى تحقيق بمثابة “زلزال إداري” يقتلع جذور هذه الشبكة العنكبوتية التي لازالت تعبث في جسد المدينة المتعب. و لعل السكوت عن عون سلطة يتحول إلى “سمسار أختام”، وعن منتخبين يقتاتون على “فتات” المسؤولين الراحلين، هو “تواطؤ صامت” يضرب في مقتل شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
المسؤول الذي يرحل ويترك خلفه “خلايا نائمة” تعبث بالوثائق و بمصالح المدينة، لم يرحل حقا، إنه لا يزال يحكم من “منفاه الإداري”، مستمرا في تسمين حساباته وحماية مصالح “زبنائه”. إنها معركة “الأختام” التي يجب أن تحسم، فإما أن يكون صاحب السلطة “مرآة” للقانون، أو يظل “مغارة” تمنح الشرعية لمن لا يملكها، وتسرق المستقبل من مدينة أنهكها “الانتظار” وأعياها “الفساد المقيم”.



