صباح الشرق
لم يكن الحريق الذي اندلع امس السبت بالمحيط الغابوي “طابوعيان” مجرد حادث بيئي عابر يلتهم بضعة هكتارات من غطائنا النباتي، بل كان، وبكثير من المرارة، مرآة عاكسة لاختلالات عميقة في منظومة التدخل الاستعجالي، وعقلية تدبير الأزمات لدى بعض المسؤولين الذين لم يستوعبوا بعد مفهوم “المرفق العمومي في خدمة المواطن”.
إن المعطيات المقلقة القادمة من مسرح الحادث تكشف عن مفارقة صارخة.. نيران تندلع بعد الثانية زوالا، تتدفق على إثرها السلطة المحلية و الأمنية و الوقاية المدنية و الجماعة، في سباق مع الزمن، بينما تسجل عناصر “المياه والغابات”، وهي الجهة الوصية والأولى بحماية هذا المجال ـ تأخرا غير مبرر، ليكونوا آخر الملتحقين بركب الإطفاء.. هذا التأخر الميداني يمكن تصنيفه في خانة “التقصير المهني” الذي يسائل نجاعة مخططات اليقظة والاستباقية الغابوية.
لكن، وبدل أن يفتح هذا التقصير بابا للنقد الذاتي وتدارك الهفوات اللوجستية، بادر المسؤول عن القطاع إلى نقل الأزمة نحو منحى غير مفهوم يمس في العمق قيم المواطنة والمسؤولية المشتركة، فبمجرد تلقيه تنبيها شديد اللهجة من رئيسه ـ وهو إجراء إداري طبيعي إزاء التقاعس ـ صب جام غضبه، عبر اتصال هاتفي متشنج، على فاعل مدني مشهود له بالغيرة على المنطقة.
المفارقة المخجلة هنا، هي أن هذا الفاعل المستهدف هو نفسه من عاين الحريق في دقائقه الأولى وبادر بحس وطني عال إلى إبلاغ السلطات، وبدل أن يحظى بالتنويه والشكر لمساهمته في إنقاذ ما يمكن إنقاذه، تحول إلى “جدار قصير” يعلق عليه المسؤول فشله الإداري وضغوطه النفسية، في سلوك يندرج ضمن الشطط والترهيب النفسي.
إننا أمام نازلة تستوجب وقفة حازمة من المسؤول الإقليمي والوكالة الوطنية للمياه والغابات، على اعتبار أن حماية الثروة الطبيعية للبلاد لا تتحقق بالشعارات الاستراتيجية فوق الأوراق، بل بوجود مسؤولين ميدانيين يمتلكون روح المبادرة، والقدرة على تحمل المسؤولية عند الخطأ، ومد جسور التعاون مع الفاعل المدني باعتباره شريكا لا خصما.
تطهير الإدارة من عقليات “تصدير الأزمات” و”ترهيب المبلغين” هو أول خطوة لإخماد الحرائق الحقيقية التي تلتهم ثقة المواطن في مؤسساته، وإن حريق “طابوعيان” يجب ألا يمر دون فتح تحقيق عاجل ومسؤول يضع النقط فوق الحروف.. فالحزم الإداري يبدأ بالمحاسبة، لا بالهواتف الغاضبة



