صباح الشرق
لا يحتاج المرء لذكاء خارق، أو لشهادة في “الجيوبوليتيك” المحلية، ليدرك أن ميزان القوى داخل مجلس جهة الشرق يميل حيث تميل الإرادات السياسية القوية، وحيث تشتد سواعد “اللوبيات” القادرة على انتزاع المشاريع من فم السبع. لكن، حين نضع إقليم تاوريرت في هذا الميزان، نكتشف –بأسى كبير– أن كفة الإقليم ترجح فقط في “بورصة الأصوات” أيام الانتخابات، بينما تنكمش وتتوارى خلف الغبار حين يحين وقت توزيع كعكة التنمية والبرامج المهيكلة.
إن المتأمل في “الحصيلة الباهتة” لممثلي الإقليم بمجلس الجهة، يجد نفسه أمام مشهد مقلق.. إقليم يقع في قلب الشرايين الحيوية للمنطقة، يربط شرق المملكة بغربها، ويمتلك من المؤهلات ما يجعله “قاطرة” لا “عربة” خلفية، ومع ذلك، يصر ممثلوه على لعب دور “الكومبارس” الصامت في مسرحية تكتب فصولها في وجدة أو الناظور.
الخلل ليس في ميزانية الجهة، ولا في “شح” الموارد كما يحلو للبعض أن يبرر فشله، بل في “عقيدة الترافع” لدى هؤلاء الممثلين..لقد تحول “المقعد الجهوي” بالنسبة للبعض إلى “تقاعد مريح” أو وجاهة اجتماعية، بينما تحول للبعض الآخر إلى ورقة مقايضة لضمان مصالح ضيقة أو “فتات” صفقات تجميلية لا تترك أثرا في حياة العاطلين بإقليم تاوريرت، ولا في عزلة الفلاحين بضواحي العيون ودبدو.
المشكلة الكبرى هي “التشتت”..فبينما تدخل أقاليم أخرى إلى ردهات المجلس كـ “كتلة واحدة” تفرض أجندتها، يدخل ممثلو إقليم تاوريرت فرادى، مشتتين بين ولاءات حزبية ضيقة، وحسابات انتخابية صغيرة، وصراعات “الديكة” التي لا تنتهي. والنتيجة، ضياع الملفات الكبرى في زحمة “التسويات” السياسية، وبقاء المشاريع المهيكلة –التي تخلق الثروة وفرص الشغل– مجرد حبر على ورق في برامج انتخابية أكل عليها الدهر وشرب.
إن السياسة، كما نفهمها، هي فن الممكن من أجل الصالح العام، وليست فن “الاختفاء” خلف الأغلبية الصامتة،و لعل ما نراه اليوم من “هزالة” في الأداء ليس قدرا محتوما، بل هو خيار سياسي اختاره من وضعوا مصالحهم فوق مصلحة الإقليم.
ساكنة الإقليم اليوم لا تطالب بصدقة من مجلس الجهة، بل تطالب بحقها المشروع في التنمية، وبممثلين يملكون “الجرأة السياسية” لقول “لا” حين تهضم حقوق الإقليم، وامتلاك “الخيال التنموي” لاقتراح بدائل اقتصادية تخرج المنطقة من نفق الركود.
إن استمرار هذا “السبات الشتوي” لممثلي الإقليم سيؤدي بالضرورة إلى تعميق الفجوة بين المؤسسات والمواطن،فالساكنة لم تعد تقتنع بـ “صور التدشينات” أو “البيانات الإنشائية”، إنها تريد أن ترى أثر “الجهة” في جيوبهم، وفي طرقاتهم، وفي مستقبل أبنائهم..فهل يستفيق ممثلونا من سكرتهم السياسية، أم أننا سننتظر حتى الانتخابات القادمة لنسمع نفس الأسطوانة المشروخة عن “الإقليم المظلوم”.
الأيام بيننا، وهي كفيلة بكشف ما إذا كان “الصمت” مجرد غيمة عابرة أم هو “هوية” سياسية لصيقة بهذه الولاية.



