صباح الشرق
شهد المركب الثقافي بمدينة الناظور مساء اليوم السبت،حركية سياسية لافتة، أعادت إلى الواجهة النقاش الأزلي حول مكانة الشباب في صناعة القرار المحلي و الوطني، فبإطلاق شبيبة حزب الأصالة والمعاصرة بجهة الشرق لمبادرتها الجديدة “أنا كاين”، يضع التنظيم الحزبي نفسه أمام اختبار حقيقي لقياس مدى قدرته على كسر جدار “العزوف” الذي ظل السمة الأبرز لعلاقة فئة واسعة من الشباب بفضاء العمل الحزبي التقليدي، ومساءلة آليات التعبئة والتأطير في سياق مجالي وتنموي معقد.
وتحمل العبارة المنتقاة للمبادرة دلالة اجتماعية سياسية عميقة، فهي اعتراف ضمني بأن الأزمة الحقيقية لا تكمن في غياب الكفاءات أو انعدام الرغبة لدى الشباب، بل في الشعور بالتهميش والإقصاء من قنوات الحوار الرسمي..فإذا كان المتدخلون في لقاء الناظور قد ركزوا على أن الهدف الأسمى هو تقريب هذه الفئة من العمل المؤسساتي وتحفيزها على التسجيل في اللوائح الانتخابية، فإن التحليل الرصين لمسار المشاركة السياسية بالمنطقة يؤكد أن التعبئة الانتخابية لم تعد كافية لوحدها،و الشباب اليوم، بات يطالب بضمانات حقيقية للمأسسة تضمن الانتقال من مجرد إثبات الوجود إلى التأثير الفعلي، وهو ما يتطلب فتح أبواب النخب الحزبية لضخ دماء جديدة قائمة على الاستحقاق والكفاءة، وتجاوز منطق الولاءات والتزكيات الجاهزة.
من جانب آخر، يحمل اختيار مدينة الناظور كمنطلق لهذه المبادرة الجهوية رسائل واضحة ترتبط بالخصوصية المجالية لجهة الشرق، فهذه الرقعة الجغرافية تعيش على وقع معادلة تنموية معقدة تتداخل فيها إشكالات التشغيل، وفرص الاستثمار، وتحديات العدالة المجالية بين الحواضر الكبرى والمناطق الحدودية والقروية،لتصبح بذلك مبادرات التأطير الشبابي، تحت مجهر النقد والتقييم الميداني،على اعتبار أن الشباب في هذه المنطقة لا ينظر إلى السياسة كترف فكري أو خطابات ديبلوماسية داخل القاعات المغلقة، بل يربطها مباشرة بمدى نجاعة الفاعل السياسي في إيجاد حلول لمعضلات البطالة، ودعم المقاولات الشبابية، وتجويد المرفق العام، ولذلك، فإن نجاح المبادرة رهين بمدى قدرتها على صياغة ملف مطلبي تنموي يعبر حقيقة عن نبض شباب الإقليم والجهة.
إن المحك الحقيقي لأي تنظيم شبيبي يسعى لمصالحة الشباب مع السياسة يكمن في مدى قدرته على النزول إلى الميدان والاستمرارية،فالخروج من المركز والتوجه نحو الهوامش والدواوير والمراكز القروية في الناظور والأقاليم المجاورة هو الذي سيحدد القيمة المضافة الفعلية،إذ إن الثقة لا تستعاد عبر اللقاءات الموسمية المرتبطة بالأجندات الانتخابية، بل عبر خلق فضاءات حوار ديمقراطية ومستدامة تمكن الشباب من ممارسة النقد البناء والمساهمة في تسيير الشأن المحلي.
ختاما، تعتبر مبادرة “أنا كاين” خطوة إيجابية تحسب لشبيبة الأصالة والمعاصرة بجهة الشرق وضخا مطلوبا للحيوية في الساحة السياسية الجهوية، غير أن العبرة دائما تكمن في الخواتيم ومدى قدرة الحزب على ترجمة مخرجات لقاء الناظور إلى برامج تكوينية وتأطيرية ملموسة تنتج لنا جيلا جديدا من المنتخبين والمدبرين الشباب، بعيدا عن منطق الأنشطة الحزبية العابرة التي ينتهي أثرها بانتهاء التصريحات الإعلامية.



