صباح الشرق
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، تشير كافة المعطيات الميدانية في إقليم تاوريرت إلى أن الخارطة الانتخابية التي رسمت معالمها داخل الصالونات السياسية المغلقة،باتت مهددة بالإنزال والتبديل.
فالدائرة التي طالما اعتبرها الملاحظون طوقا آمنا يتقاسم نفوذه قطبا الأغلبية —التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة— تشهد اليوم حراكا ساخنا يخلط الأوراق بشكل غير مسبوق، والسبب يرجع إلى دخول حزب الحركة الشعبية على خط المنافسة بعد تزكيته لمحمد الحر، رئيس مجلس جماعة عين الحجر،في خطوة أدخلت إلى المعترك الانتخابي استراتيجية ميدانية
تتجاوز المفهوم التقليدي للعصبية الضيقة القائم على شعار “انصر ابن قبيلتك” بصورته البدائية،إلى هندسة روابط ومصالح متبادلة وعابرة للحدود الجغرافية للجماعات، حيث تقوم هذه الخطة على نسج شبكات ثقة متبادلة وتكامل نفعي بين وجهاء وأعيان ينتمون إلى حواضن قبلية متعددة داخل الإقليم.
و يتجه حزب الحركة الشعبية،إلى إدارة هذه الخيوط بمرونة،لاستقطاب الأصوات والوجهاء الذين وجدوا أنفسهم خارج حسابات التزكيات في المعسكرات الأخرى، وبذلك تلعب السنبلة دور “المغناطيس” الذي استوعب النخب الغاضبة والمقصية ليرص صفوفه في كتلة حرجة واحدة.
و من المنتظر أن تضرب هذه الآلية الماكينات الانتخابية الكلاسيكية في ثلاث نقاط حاسمة، أولها إضعاف سلاح المال السياسي، فعلى الرغم من القوة التأثيرية للمال، إلا أن وجود شبكة من الالتزامات الأخلاقية والاجتماعية المتينة بين الوجهاء والساكنة يصنع جدار صد، إذ يصبح الناخب متلقيا سلبيا دون تقديم ضمانات ولائية قطعية، مما يرفع منسوب عدم اليقين لدى الأحزاب التقليدية حتى اللحظات الأخيرة للفرز.
وتتمثل النقطة الثانية في نقل المعركة إلى العمق القروي الذي يشكل الخزان الحقيقي للأصوات في إقليم تاوريرت، حيث إن الاعتماد هنا على بروفايل مرشح ممارس، غير مثقل بتبعات السخط الشعبي، يسحب البساط تدريجيا من تحت أقدام النخب “الموسمية” التي لا تظهر إلا في أيام الحملة الانتخابية. أما النقطة الثالثة فترتبط بسياق “القاسم الانتخابي”، حيث إن هندسة الحسابات الانتخابية لعام 2026 كبحت طموح الهيمنة المطلقة ومنعت الاكتساح المريح لأي طرف، مما جعل المعركة تنحصر رياضيا في صراع شرس على “البواقي والكسور الانتخابية الدقيقة”، وهي البيئة المثالية التي ينتعش فيها المرشح القادر على حصد الأصوات الغالية من الهامش.
إن إقصاء الحركة الشعبية من التوقعات الحاسمة في دائرة تاوريرت يعد مجازفة سياسية وقراءة قاصرة للميدان، لاسيما وأن هذا الحراك المحلي يتناغم بشكل غير مباشر مع مزاج متنام للناخبين، يتطلع إلى كسر احتكار الوجوه والمواقع ذاتها، والمعطيات الراهنة تؤكد أن الدائرة تتجه نحو سيناريو “تكسير عظام” حقيقي، وأن الحركة الشعبية بخلطتها المتكاملة (اللوجستيك، والقبيلة، وشبكة العلاقات، بالإضافة إلى الغاضبين) تدخل المعترك كرقاقة أساسية، فهي إما قادرة على انتزاع المقعد مباشرة بقوة الصندوق، أو التموقع كـ “صانع للملوك” (Kingmaker) لا يمكن صياغة أي خارطة سياسية في الإقليم من دونه.



