صباح الشرق / ح قاسمي
تتخذ الديناميات التنافسية في إقليم تاوريرت، مع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر التشريعية، أبعادا معقدة تتجاوز منطق التنافس الحزبي السطحي لتكشف عن أزمة بنيوية في آليات صناعة النخب المحلية وتدبير الرأسمال الانتخابي.
فالقراءة الأولية للمشهد تضعنا أمام مفارقة بنيوية حادة، من جهة، سياق مجالي مأزوم يئن تحت وطأة اختلالات تعميرية وهيكلية عميقة وتهميش تنموي مستدام، ومن جهة أخرى، إصرار المنظومة الحزبية المهيمنة على إعادة إنتاج نفس النخب التقليدية والأعيان، والمراهنة على استراتيجية تدوير الوجوه والولاءات القبلية وشبكات المصالح الضيقة، ضاربة عرض الحائط بكل الأدبيات السياسية الداعية إلى ضخ دماء جديدة قادرة على الترافع المؤسساتي الحقيقي.
هذا التناقض يعكس انفصالا عن الواقع التدبيري و تطلعات الساكنة بالإقليم،إذ عند تفكيك التكتيكات الميدانية الجارية و تسريبات المطابخ الانتخابية لممثلي “معسكر المحافظة السياسية”،نجد أن حزب التجمع الوطني للأحرار، ومن خلال مرشحه بنجدي، ينهج استراتيجية التعبئة الصامتة، حيث تطبخ “وصفة السيطرة” لانتزاع مقعد نيابي في كواليس الغرف المغلقة بالاعتماد على الجاهزية اللوجيستيكية واستقطاب المفاتيح الانتخابية التقليدية، رغم العبء السياسي الذي يثقل كاهله والمتمثل في “فاتورة الأثر العكسي” للسياسات الحكومية على الساكنة المحلية.
وفي مقابل هذا الصمت التكتيكي، يلاحظ متتبعو المشهد المحلي اندفاعا مبكرا لمرشح حزب الأصالة والمعاصرة، الذي سارع إلى إطلاق تحركاته الميدانية وعقد لقاءات تواصلية مكثفة، ركزت بشكل خاص على حاضرة العيون سيدي ملوك،و أحواز دبدو.
وتأتي هذه الحركية الاستباقية لـ”البام” كخطوة دفاعية لمحاصرة التمدد الصاعد لحزب الحركة الشعبية، الذي أحدث خلطا لأوراق اللعبة بالمنطقة إثر دفعه بأحد أبناء العيون سيدي ملوك، وهو بروفايل يزاوج بين الرأسمالية المحلية والتدبير الترابي، بصفته مقاولا ورئيسا لمجلس جماعة عين الحجر، مستندا إلى عصبية ترابية قادرة على استقطاب فئات واسعة في الضواحي والمحاور شبه الحضرية.
وفي المقابل، يبدو أن الآلة الانتخابية لحزب الاستقلال، عبر مرشحه زيرار، تعيش مرحلة انحسار مؤقت، حيث ينصب المجهود التنظيمي حاليا على محاولة إيجاد وصفة داخلية لترميم الصفوف وتجاوز حالة عدم الرضا التي مست فئة مهمة من القواعد جراء تراكم إحباطات الساكنة من ضعف الحصيلة التدبيرية المشتركة للمجالس المنتخبة.
ولا ينفصل هذا الاستقطاب الميداني الحاد عن تصاعد لافت في منسوب “حروب التشويش” والضغط السياسي المتبادل بين مراكز النفوذ، فبعد الاستهدافات التي طالت مرشح حزب الاستقلال لإضعاف جبهته الرمزية، امتدت هذه الحرب البديلة لتستهدف مباشرة مرشح الحركة الشعبية ، في مسعى واضح من الخصوم لفرملة ديناميته الحضرية والتشكيك في مشروعية بروفايله التدبيري، وهو ما يعكس تحول الآلة الانتخابية المحلية من صراع البرامج إلى صراع الهدم الرمزي المتبادل.
وفي الجهة المقابلة، يحاول “معسكر البدائل الأخلاقية والفكرية” التموقع ضمن هذه التصدعات عبر أطروحات تعتمد على الكفاءة أو الخطاب النقدي، إذ يقدم حزب التقدم والاشتراكية ميحيت كوجه يمتلك “رأسمالا رمزيا” وقبولا اجتماعيا ينأى به عن كواليس “المال السياسي”، غير أن فاعليته العددية تصطدم بضعف البنية اللوجيستيكية و ضعف الامتداد في الجغرافيا القروية التي تحسم عادة صناديق الاقتراع.
ومن جانبه، يحاول محجوبي باسم العدالة والتنمية استثمار رصيده التجريبي السابق لتعبئة ما تبقى من الكتلة الناخبة العقائدية للحزب، لكن حظوظه تظل محصورة بحالة الانحسار التنظيمي العام وعزلته وسط خارطة تحكمها التحالفات البراغماتية للأعيان.
وعلى أقصى اليسار، يبرز الرامي عن فيدرالية اليسار الديمقراطي كوجه يتبنى خطاب النقد الراديكالي ضد الريع ومظاهر الفساد، إلا أن معضلته الميدانية تكمن في ضعف المأسسة الانتخابية وتوجه قاعدته الأساسية نحو المقاطعة الصامتة.
إن قراءة هذه التفاعلات تبين أن خارطة إقليم تاوريرت الانتخابية لم تعد نزهة سهلة لأصحاب “الشكارة”، بل أصبحت محكومة بكابحين حاسمين قد يعيدان صياغة موازين القوى برمتها،أو يخرجان وجهين من عنق الزجاجة، أولهما مؤسساتي ويتمثل في مقصلة “التخليق” عبر التوجيهات الصارمة لوزارة الداخلية، والتي فرضت تدقيقا غير مسبوق في السير الذاتية وملاحقة الشبهات القضائية والمالية، مما وضع الأحزاب التقليدية الكبرى في مخاض عسير وخوف حقيقي من سقوط رموزها في فخ العزل أو الرفض القانوني، مجبرة إياها على البحث عن مساحيق تجميلية لتغطية عوراتها التنظيمية.
أما الكابح الثاني فيتجلى في “شبح العزوف الانتخابي” كسلوك سياسي عقابي واحتجاجي صامت تعتمده كتلة ناخبة، لاسيما فئات الشباب والمثقفين في محاور حاسمة، فهؤلاء باتوا يقابلون تحركات الكائنات الانتخابية ببرود تام، نتيجة تنامي الوعي اتجاه ظاهرة “البرلماني الموسمي” الذي يختفي ولاية كاملة تحت قبة البرلمان ليظهر فقط في المواسم الانتخابية.



