صباح الشرق / SABAHACHARK
يواصل الشاعر محمد بوجديان في الجزء الثامن من قصيدته المتسلسلة «عجبت لك يا زمن» رحلته الشعرية في مساءلة واقعٍ تتداخل فيه المفارقات وتتشابك فيه صور الإنسان والزمن والقيم. فبلغة مشحونة بالدلالات والصور الرمزية، يرسم الشاعر ملامح زمنٍ أصبحت فيه العقول أسيرة الغرور، والوجوه مثقلة بالقلق، والحدائق الجميلة تخفي وراء أزهارها جذوراً من «شر البذور».
وفي هذا الجزء،تتسع مساحة الدهشة لتتحول إلى صرخة تأملية عميقة أمام عالمٍ تتكسر فيه أجنحة الطيور، وتنسحب منه الضمائر نحو أعماق الصمت، بينما يصبح الأنين نفسه لغةً أخرى للبوح، لا تتنفس إلا بحبر السطور.
إنها قصيدة لا تكتفي بوصف التحولات، بل تحاول النفاذ إلى ما وراء المظاهر، لتكشف عن مفارقات زمنٍ غريب، وتترك للقارئ مساحة واسعة للتأمل في سؤال يتكرر بإلحاح بين ثنايا الأبيات: إلى أين يمضي بنا هذا الزمن؟
فيما يلي، نضع بين أيدي القراء الجزء الثامن من «عجبت لك يا زمن»، حيث يواصل محمد بوجديان نسج قصيدته بين الدهشة والوجع، وبين نقد الواقع والإيمان بقدرة الكلمة على كشف ما تخفيه العصور.
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
عُقُولٌ مَسْعُورَةٌ عِمَادُ ثَقَافَتِهَا الغُرُورُ
تَحْسَبُ صَخَبَ نُبَاحِهَا مِنْ فَضَائِلِ الأُمُورِ
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
غَزَارَةُ وُجُوهٍ شَاحِبَةٍ مُثْقَلَةِ الصُّدُورِ
قَلِقَةٌ بِدُونِ عِلَّةٍ، أَفْرَاحُهَا خَالِيَةُ الحُبُورِ
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
حَدَائِقٌ كُسِيَتْ بِزُهُورٍ، جُذُورُهَا مِنْ شَرِّ البُذُورِ
أَصْبَحَتْ قِيمَتُهَا عَطِرَةً فِي زَمَانٍ كُنْهُهُ الفُتُورُ
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
غُيُومٌ دَاكِنَةُ التَّكْوِينِ، كَسَّرَتْ أَجْنِحَةَ رَفْرَفَةِ الطُّيُورِ
تَارِكَةً السَّاحَةَ لِأَشْبَاهِ أُنَاسٍ كَانَ مَوْطِنُهَا الجُحُورُ
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
سِمْفُونِيَةٌ تُعْزَفُ بِرُضُوضٍ تَآكَلَتْ مِنْ شِدَّةِ الضُّمُورِ
لَمْ يُفْهَمْ لَحْنُهَا بِسَبَبِ وَتِيرَةٍ، رَتَابَتُهَا كَثِيرَةُ البُثُورِ
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
هُرُوبٌ سَرْمَدِيٌّ لِضَمَائِرَ، مُعْلِنَةٍ الانْسِحَابَ فِي أَعْمَاقِ البُحُورِ
لَمْ تَجِدْ بَدِيلاً فِي أَرْضٍ قَاحِلَةٍ خَيْراً مِنْ أُنْسَةِ الدَّيْجُورِ
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
أَنِينُ أَشْخَاصٍ بَلْسَمُهُ يَتَنَفَّسُ بِحِبْرِ السُّطُورِ
خَلَقَ هَالَةً غَامِضَةَ الأَنْوَارِ، لَمْ تَعْرِفْهَا العُصُورُ.




محمد بوجديانمنذ 8 ساعات
شكرا جزيلا على نشر ما اكتبه وتقبل مني تحياتي وتقديري