صباح الشرق
لم يكن البناء الغير القانوني يوما مجرد “طوبة” توضع خارج ضوابط القانون، ولا صبة خرسانية تسكب تحت جنح الظلام،إنه في عمقه وثيقة إدانة صارخة لخلل بنيوي في تدبير المجال الترابي، ورسالة غير مكتوبة تشترك في صياغتها حاجة البسطاء وجشع المضاربين.غير أن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه أمام هذه الظاهرة ليس فقط “كيف تتناسل هذه البنايات؟”، بل “لماذا تستشري وتتفجر في مجالات بعينها بينما تتوقف عند حدود أحياء أخرى داخل المدينة الواحدة؟”.
إن تتبع الخريطة العمرانية يكشف أن التفاوت في انتشار البناء العشوائي ليس وليد المصادفة المجالية، بل هو نتيجة حتمية لتقاطع خطير بين تعقد البنية العقارية، حيث تضيع المسؤوليات بين أملاك الدولة والأراضي السلالية، وبين جمود وثائق التعمير التي تصاغ في المكاتب المكيفة، وفق منطق الولاءات و المصالح الخاصة،بعيدا عن نبض الواقع المحلي والتحولات الديمغرافية..ليتحول الهامش إلى بيئة خصبة للمضاربة والتجزئة السرية، حيث يعاد إنتاج السكن خارج الضوابط المؤطرة تحت طائل الضغط الاجتماعي المتزايد.
لكن المعادلة لا تتوقف عند حدود العقار وتكلفة المعمار، بل تتعداها إلى التفاعلات الميدانية بين المراقبة الإدارية والحسابات السياسية،وهنا يبرز التقاطع الحساس بين أدوار “أعوان السلطة” و”المنتخبين المحليين”،فعون السلطة، المفترض فيه أن يكون العين الساهرة والرادع المبكر عبر التقارير الميدانية، قد يتحول غض طرفه أو تراخيه الاقتضائي، خاصة في نهايات الأسابيع والمواسم الانتقالية، إلى ضوء أخضر لتناسل البناء في غضون ساعات. وفي المقابل، يجد المنتخب الجماعي نفسه بين فكي الالتزام بالضوابط التعميرية وضغط القواعد الانتخابية، حيث تستغل حاجة الساكنة للتجهيز وربط شبكات الماء والكهرباء كأوراق لمنح مشروعية واقعية لمبان مخالفة، أو كأداة لاستقطاب الأصوات عبر الوعود الحزبية بالتغاضي عن خروقات التعمير.
إن هذا التداخل بين العجز التخطيطي، والهشاشة العقارية، والتواطؤ أو العجز في المراقبة الترابية والسياسية، هو ما يجعل بعض الأحياء دون غيرها مسرحا مفتوحا للفوضى العمرانية. و عليه فإن مواجهة هذه الظاهرة لم تعد تحتمل الاقتصار على “سياسة الجرف الانتقائي” وجداريات الزجر القانوني.
إن معالجة جذور المعضلة تتطلب جرأة سياسية وتدبيرية تعيد النظر في فلسفة التعمير برمتها، عبر تبسيط مساطر الترخيص، وتسوية الوضعيات العقارية المعقدة، وربط مسؤولية المراقبة الميدانية بالمساءلة الإدارية والجنائية الصارمة لكافة الأطراف المؤثرة في القرار الترابي.. وبدون ذلك، ستظل المدينة رهينة لـ “سلطة الأمر الواقع”، حيث تتمدد الأحياء خارج القانون، وتضيع معها معالم التنمية المجالية المتوازنة.



