صباح الشرق / SABAHACHARK
مع اقتراب افتتاح موسم القنص 2026/2027، ينشغل القناصة في مختلف المناطق بالاستعداد لليوم الأول من الموسم، ذلك اليوم الذي يشبه، بالنسبة لكثير منهم، عرسًا جماعيًا ينتظرونه بشغف، ويحتفلون به كلٌّ على طريقته.
فمنهم من يفضل المبيت في مناطق القنص استعدادًا للخروج مع أول خيوط الفجر، ومنهم من يختار الانطلاق في الساعات الأولى من الصباح، بينما يجتمع آخرون في مكان محدد لتناول وجبة الفطور وتبادل الأحاديث، في أجواء يطغى عليها الحماس والاستعداد للموسم الجديد.
وفي مثل هذه المناسبات، تحضر كل التفاصيل: كلاب القنص، أنواع البنادق، التجهيزات والملابس، والحديث عن مواسم سابقة وما تحمله من ذكريات وتجارب.
أما أنا، فحاولت هذه المرة أن أكون مختلفًا قليلًا، وأن أستقبل افتتاح موسم القنص من زاوية أخرى، من خلال التوقف عند بعض المسائل الشرعية المرتبطة بالقنص والصيد البري.
ولا أدعي في هذا المقال أنني من أهل الفقه أو أن ما أكتبه يمثل فتوى، وإنما هي محاولة لتقديم بعض التعريفات والتنبيهات التي استفدنا منها من بعض أساتذتنا وشيوخنا، الذين لم يبخلوا علينا بالنصح والتوجيه.
ما المقصود بالصيد البري؟
يقصد بالصيد البري، أو القنص، اقتناص حيوان أو طائر بري متوحش، غير مملوك للإنسان، ولا يمكنه عادةً الوصول إليه والسيطرة عليه بالطرق المعتادة.
والأصل في الصيد أنه جائز إذا كان لغرض مباح وحاجة معتبرة، أما إذا كان المقصود منه مجرد اللهو والعبث وإزهاق أرواح الحيوانات من غير غرض معتبر، فقد يكون محل كراهة، بحسب الحال والملابسات.
ومن هنا، فإن القناص لا ينبغي أن ينظر إلى القنص باعتباره مجرد ممارسة أو هواية، بل عليه أن يستحضر ما يترتب عليه من مسؤوليات، سواء تجاه الصيد نفسه أو تجاه الناس وممتلكاتهم والبيئة التي يمارس فيها هذه الهواية.
احترام أملاك الناس واجب
من أهم الأمور التي ينبغي أن ينتبه إليها القناص ألا يتحول شغف الصيد إلى تعدٍّ على حقوق الآخرين.
فلا يجوز دخول مزارع الناس أو أراضيهم الخاصة، ولا إتلاف مزروعاتهم أو ممتلكاتهم، ولا تعريضهم أو مواشيهم للخطر، من دون إذن أو حق مشروع.
فالقنص مهما كانت متعته لا يبرر الاعتداء على أموال الناس وممتلكاتهم أو إلحاق الضرر بهم. وقد يبدأ الأمر بتجاوز بسيط، لكنه قد ينتهي إلى تعدٍّ لا يقره الشرع ولا العرف.
ولذلك، فإن احترام أصحاب الأراضي والمزارعين والسكان المحليين ينبغي أن يكون جزءًا أساسيًا من أخلاق القناص.
متى تكون الطريدة حلالًا؟
بعد إصابة الطريدة أو إمساكها، تختلف حالتها بحسب ما إذا أدركها الصائد وهي حية حياة مستقرة، أو وجدها ميتة أو في حكم الميتة.
الحالة الأولى: أن تدرك الطريدة حية حياة مستقرة
إذا أدرك القناص الطريدة وهي لا تزال حية حياة مستقرة، فإنها لا تصبح حلالًا بمجرد إصابتها، بل يجب تذكيتها تذكية شرعية، وفق الشروط المعروفة في الذكاة.
أما إذا أدركها وهي في آخر رمق، ولم تكن فيها حياة مستقرة، فهذه لها أحكام أخرى تتعلق بالصيد وآلته وكيفية الإصابة.
الحالة الثانية: أن تدرك الطريدة ميتة أو في حكم الميتة
إذا وجد القناص الطريدة ميتة بسبب الصيد، أو أدركها وهي في حالة حياة غير مستقرة وتحققت شروط الصيد الشرعي، فإنها تكون حلالًا للأكل.
وهنا تظهر أهمية معرفة القناص للأحكام المتعلقة بالصائد، وبآلة الصيد، وبكيفية إطلاقها، وكذلك بالصيد الذي تصيده الجوارح.
أولًا: من هو الصائد ( القناص)؟
من شروط الصيد أن يكون الصائد اي القناص ممن تصح منه الذكاة، لأن الصائد (القناص) في هذا الباب بمنزلة المذكي.
ومن ثم، يشترط في الصائد (القناص) أن يكون أهلًا للذكاة، ومن ذلك أن يكون عاقلًا، وأن يكون مسلمًا أو من أهل الكتاب، وفق الأحكام الفقهية المعروفة في هذا الباب.
ولهذا لا يكفي مجرد إصابة الطريدة، بل ينبغي كذلك أن تتوفر الشروط المتعلقة بالصائد نفسه.
ثانيًا: آلة الصيد
تتنوع آلات الصيد، ومن المهم أن يعرف القناص حكم ما يستخدمه في صيده.
ومن الآلات ما يكون محددًا جارحًا، بحيث يجرح الصيد بحده، لا بمجرد ثقله، مع مراعاة الشروط الشرعية المتعلقة بآلة الصيد.
أما إذا كانت الآلة لا تجرح وإنما تقتل بثقلها، كالحجر أو العصا ونحو ذلك، فهذه لها أحكام مختلفة، ولا يكفي مجرد موت الحيوان بسببها للحكم بحل الصيد.
وبالنسبة إلى الأسلحة النارية والرصاص، فقد بحث الفقهاء المعاصرون حكم الصيد بها، ويُنظر فيه إلى تحقق الشروط الشرعية المتعلقة بالإصابة والقتل وطريقة الصيد، ولذلك ينبغي للقناص أن يعرف الحكم الذي يأخذ به من أهل العلم الموثوقين قبل ممارسة القنص.
الصيد بواسطة الجوارح
ومن وسائل الصيد التي عرفها الناس منذ القدم الاستعانة بالجوارح، كالكلاب والطيور الجارحة.
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
(المائدة: 4)
والجوارح تشمل ما يصاد به من الحيوانات والطيور المعلمة، كالكلب ونحوه، بحيث يكون الصيد وفق الضوابط الشرعية المعتبرة.
ومن هنا، فإن تدريب كلب القنص وتعليمه ليس مجرد مسألة تقنية، بل يرتبط كذلك بأحكام شرعية ينبغي للقناص أن يتعرف عليها.
القناص بين المتعة والمسؤولية
القنص هواية لها عشاقها، ولها تقاليدها وطقوسها وذكرياتها الجميلة، لكن متعة القنص لا ينبغي أن تجعلنا نغفل عن المسؤولية.
فالقناص الحقيقي ليس فقط من يملك بندقية جيدة أو كلبًا مدربًا، وإنما هو أيضًا من يعرف حدود ما يفعل، ويحترم الأرض التي يقنص فيها، ويحافظ على ممتلكات الآخرين، ويتجنب تعريض الناس للخطر، ويلتزم بالقوانين والأنظمة المنظمة لممارسة القنص، ويحرص على أن يكون صيده موافقًا للضوابط الشرعية.
كما أن احترام الصيد نفسه جزء من أخلاق هذه الهواية؛ فلا يكون الهدف مجرد كثرة الطرائد أو استعراض القدرة على إصابتها، وإنما ممارسة القنص في إطار من المسؤولية والاعتدال.
كلمة أخيرة قبل افتتاح الموسم
مع بداية موسم القنص 2026/2027، ربما يكون من الجميل أن نضيف إلى قائمة استعداداتنا شيئًا آخر غير البندقية والذخيرة وكلاب القنص ووجبة الفطور.
لنستعد أيضًا بالمعرفة.
أن نعرف ماذا يجوز لنا أن نصطاد، وكيف نصطاد، ومتى تكون الطريدة حلالًا، وكيف نحترم أملاك الناس، وكيف نتجنب إيذاء الآخرين، وكيف نجعل من هذه الهواية ممارسة تجمع بين المتعة والمسؤولية.
وهذه الكلمات ليست فتوى، ولا أدعي فيها الإحاطة بكل تفاصيل أحكام الصيد والقنص، وإنما هي محاولة متواضعة لتذكير نفسي وإخواني القناصة ببعض ما تعلمناه من أهل العلم.
وإذا كان افتتاح موسم القنص بالنسبة لكثير منا بمثابة عرس سنوي للقناصة، فليكن هذا العرس أيضًا مناسبة نثبت فيها أن القناص يستطيع أن يجمع بين حب الطبيعة، ومتعة الهواية، واحترام الناس، والالتزام بالشرع والقانون.
صيدًا موفقًا، وموسمًا آمنًا، وقنصًا مسؤولًا للجميع. امضاء رئيس الفرع الجهوي للقنص لجهة الشرق ميمون بنعلة



