صباح الشرق
ليست “قفة رمضان” مجرد مبادرة إحسانية عابرة، بل صارت،على مشارف الاستحقاقات الانتخابية،عنوانا مقلقا لمنطقة رمادية يتداخل فيها العمل التضامني مع الحسابات الانتخابية الضيقة، لذلك لم تكن مذكرة وزارة الداخلية الأخيرة، الموجهة إلى الولاة والعمال، إجراء إداريا عاديا، بقدر ما هي إشارة إنذار مبكر ضد محاولات الالتفاف على قواعد التنافس السياسي النزيه.
فالمعطيات التي تتحدث عن شروع بعض الجمعيات في إعداد لوائح لفقراء ومعوزين قبل شهر كامل من رمضان، تطرح أكثر من علامة استفهام.. لماذا هذا الاستباق المحموم؟ ولماذا يتزامن العمل الإحساني فجأة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؟ أسئلة مشروعة تفرضها التجارب السابقة، حين تحولت المساعدات الغذائية من فعل تضامني إلى وسيلة ناعمة للتأثير في الإرادة الانتخابية للفئات الهشة.
اللافت أن هذا التخوف لم يأت من فراغ، بل جرى التعبير عنه صراحة داخل قبة البرلمان، خلال مناقشة مدونة الانتخابات الجديدة، حيث دقت أحزاب، خاصة من المعارضة، ناقوس الخطر بشأن استغلال الجمعيات كواجهات بديلة للدعاية الانتخابية، في تحايل واضح على المقتضيات القانونية التي تجرم تقديم الهبات والمساعدات المرتبطة بالتصويت أو التأثير فيه.
ومن هنا، يكتسب تحرك رجال السلطة و أعوانهم لمراقبة عمليات توزيع المساعدات، وتتبع مصادر تمويلها، دلالته الكاملة. فهو ليس تضييقا على المجتمع المدني، كما قد يروج، بل محاولة لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني، خاصة في ظل معطى أساسي يتمثل في أن الدولة نفسها تضخ سنويا مليارات لدعم الجمعيات، مقابل التزامها الصريح بالخضوع للمراقبة والتدقيق من طرف مفتشية وزارة الداخلية والمجالس الجهوية للحسابات.
الرهان اليوم ليس في منع “قفة رمضان”، بل في منع تحويلها إلى ورقة ضغط انتخابي، وإلى أداة صامتة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي عبر استغلال الهشاشة الاجتماعية،فالديمقراطية لا تقاس بعدد القفف الموزعة، بل بمدى احترام قواعد النزاهة وتكافؤ الفرص، وبقدرة المؤسسات على حماية صوت المواطن من كل أشكال الابتزاز الناعم.
وإذا كانت السلطات المركزية قد اختارت التحرك الاستباقي هذه المرة، فذلك لأن التجاهل في مثل هذه اللحظات لا يقرأ إلا كتواطؤ صامت، فيما الصرامة القانونية تبقى، مهما كانت كلفتها، أقل ضررا من ديمقراطية تدار بقفة غذائية



