صباح الشرق / ح قاسمي
لم تعد دراسة ديناميات الحواضر الوسيطة ترفا تتباه مقاربات الجغرافيا البشرية وسوسيولوجيا المجال، بل أضحت في عمقها تفكيكا لـ “جيو-سياسية التراب” وصراع الإرادات التنموية. وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة الاختيارات المجالية الموجهة لمدينة العيون سيدي ملوك إلا بوصفها محاولة لإعادة صياغة الهندسة الجيواستراتيجية للشبكة الحضرية الإقليمية، وتوخيا واعيا لخلخلة الاستقطاب الثنائي التقليدي الذي مارسته تاريخيا أقطاب جهوية مهيمنة كبرى.إذ المراهنة على هذه الحاضرة كرافعة للتنمية الترابية يمثل، في الجوهر، رهنا على صناعة مراكز توازن بديلة قادرة على امتصاص الأزمات السوسيو-مجالية، وإعادة توجيه تدفقات الثروة والديمغرافيا في مجال حدودي حساس ومتحول.
بيد أن هذا الطموح يصطدم بـ “مقاومة بنيوية” تعيد إنتاج الهشاشة عند خطوط التنزيل، فالأدوار الوظيفية الكبرى للمدينة تبدو محاصرة اليوم بين فكي كماشة مؤسساتية وسلوكية تجهض مسارات التنمية المأمول تحقيقها على أرض الواقع.
يتمثل الفك الأول لهذه الكماشة في الواجهة المؤسساتية و عجز المقاربة التشريعية، ممثلة في القانون التنظيمي رقم 113.14، على إحداث توازن حقيقي بين الاختصاصات الموسعة المسندة للجماعة، وبين قدراتها التمويلية الذاتية. فالارتهان شبه المطلق لعائدات الحصص المستخلصة من الضريبة على القيمة المضافة يعكس عجزا بنيويا في النسيج الجبائي المحلي، ويحرم الجماعة من “سيادتها المالية”، مما يلقي بها في أتون التبعية التمويلية لمركزية القرار الوزاري، أو لمجلس الجهة والمجلس الإقليمي لتاوريرت.
هذا الوضع المأزوم يفرز ضعفا حادا في الالتقائية العمودية والأفقية بين الاستراتيجيات القطاعية، ويؤدي إلى تشتيت الجهود وهدر الزمن التنموي في مشاريع تعوزها الرؤية المندمجة، فضلا عن بطء مساطر التحديث والتحول الرقمي لآليات التتبع والرقابة، وهو ما يحرم الإدارة الترابية من استشراف المخاطر وتدبير المرفق العام بمرونة وفعالية.
أما الفك الثاني، فيتجلى على صعيد النخبة التدبيرية، حيث تبرز وضعية عدم التجانس والبلقنة السياسية التي تطبع تركيبة المجلس الجماعي الحالي كأحد أبرز الكوابح الذاتية لتنزيل خطة المدينة الوسيطة، إذ يؤدي غياب التوافق والانسجام الداخلي بين مكونات الأغلبية والمعارضة إلى شلل بنيوي يصيب عملية اتخاذ القرار وصناعة المقررات الجماعية، ويحول الفضاء المداولاتي إلى ساحة للتجاذبات السياسوية الضيقة بدلا من أن يكون حاضنة لبلورة المشاريع التنموية المهيكلة. إن هذا التشتت ينعكس سلبا على القوة التفاوضية للجماعة أمام الشركاء والمؤسسات المانحة، ويفوت عليها فرصا استثمارية هامة نتيجة غياب رؤية سياسية موحدة وقادرة على الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمجال الترابي للعيون سيدي ملوك.
أمام هذا النفق البنيوي، يستوجب الانتقال بالمدينة إلى نموذج الحاضرة المستدامة إحداث ثورة حقيقية في إدارة الرأسمال البشري للجماعة، نظرا لما تعانيه الهياكل الإدارية الحالية من فجوات تقنية تستدعي تأهيلا عاجلا وتدريبا مستمرا لأطرها لمواكبة تحديات الرقمنة والذكاء الترابي.
وموازاة مع ذلك، تبرز الحاجة المصيرية إلى مجلس جماعي متجانس يضم كفاءات تقنوقراطية وسياسية تمتلك هندسة تفاوضية عالية، وقدرة على تعبئة الموارد المالية وجذب الشركاء الاقتصاديين.
و هذا الانبثاق لن يكتب له النجاح إلا إذا أظهر المجلس انفتاحا حقيقيا على المصالح اللاممركزة و المبادرات الجادة والمجتمع المدني الفاعل، متبنيا مقاربة تشاركية تقطع بشكل راديكالي مع ترسبات الريع وآليات الولاءات الانتخابية التي أهدرت الزمن التنموي للمدينة، واستبدالها بروابط تعاقدية شفافة ترتكز على الاستحقاق والمواطنة الحقة والمصلحة الاستراتيجية للمجال الترابي.
في المحصلة، يبرز التخطيط الحضري بمدينة العيون سيدي ملوك ليس كمجرد تقنية تعميرية جافة أو وثائق جامدة، بل كحقل تتصارع فيه المصالح السوسيو-اقتصادية، وتتقاطع فيه السياسات العمومية القطاعية مع خصوصيات السيرورات المحلية.و بذلك فإن زحزحة المفارقة القائمة بين النص القانوني والواقع المجالي تشكل المدخل الأساسي والوحيد للانتقال بالمدينة من فضاء لتصريف الأزمات والمحاصصة الحزبية، إلى قطب توازن إقليمي جاذب للاستثمار، وقادر على الاستجابة للرهانات الجيواقتصادية الجديدة لجهة الشرق وفي قلب مغرب الجهات



