صباح الشرق / ح قاسمي
مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، يلوح في الأفق شرخ واضح بين صرامة المقاربة التشريعية التي تقودها المركزية الحكومية، وبين واقعية التدبير الترابي الذي تقوده السلطات المحلية، شرخ يضع القرار التنظيمي الأخير لرئيس الحكومة أمام محك التنزيل الفعلي. فالقرار الذي أريد له أن يكون “إعلان حرب” صريح على شبكات المضاربة و”الشناقة” لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، يصطدم اليوم بجدار الصمت والتراخي غير المعلن من طرف السلطات المحلية، التي تجد نفسها بين مطرقة النصوص الفوقية الحازمة وسندان السلم الاجتماعي وإكراهات الواقع السوسيو-اقتصادي المعقد لأسواق الماشية.
إن محاولة هندسة سوق تقليدي كأسبوعيات المواشي بـ”جرة قلم” تنظيمية تفرض التصريح المسبق، ومنع إعادة البيع، والوعيد بالعقوبات الحبسية، تبدو من منظور المركز إنجازا إداريا مهيكلا،لكنها من منظور رجال السلطة في الميدان مغامرة غير مأمونة العواقب..فالإدارة الترابية المحلية تدرك، بحكم احتكاكها اليومي، أن المقاربة الزجرية الصارمة ضد فئة الوسطاء في توقيت حرج قد تؤدي إلى “بلوكاج” في التموين أو مقاطعة للأسواق المعتمدة، مما سيتسبب حتما في نتائج عكسية تلهب الأسعار بشكل أعمق، ناهيك عن النقص الحاد في الموارد البشرية واللوجستية المؤهلة لمراقبة آلاف الشاحنات والرؤوس، والتمييز بين الفلاح الحقيقي والمضارب المحترف.
أمام هذه الإكراهات البنيوية، يبدو أن السلطات المحلية اختارت بوعي صيغة “المرونة السلبية” أو التجاوب الحذر، مكتفية بتطويق المظاهر العشوائية الصارخة، ومفضلة غض الطرف عن الديناميات التقليدية للأسواق الأسبوعية تفاديا لأي احتقان اجتماعي.
هذا التباين يثبت مجددا أن معركة ضبط الأسعار لعام 2026 لن تحسمها بلاغات المركز، بل ستحسمها القدرة على ابتكار حلول واقعية تلامس عمق الإشكال البنيوي لمسالك التوزيع، بعيدا عن منطق الردع الورقي الذي يثبت الواقع، مرة تلو الأخرى، أنه يظل عاجزا عن تغيير أعراف التجارة التقليدية



