صباح الشرق / SABAHACHARK
يواصل الشاعر محمد بوجديان في الجزء السادس من قصيدته «عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن» رحلة التأمل في تحولات الزمن وما يعتري الإنسان والمجتمع من مفارقات واختلالات، مستعينًا بلغة شعرية كثيفة، وإيحاءات رمزية تفتح أمام القارئ أكثر من باب للتأويل.
ومن خلال تكرار اللازمة الشعرية «عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن»، يجعل الشاعر من الزمن مخاطَبًا وشاهدًا في آن واحد، وكأنه يحاوره ويحمّله أسئلة الواقع وأسئلة الإنسان. وفي هذا الجزء، تتوالى صور شعرية تنقل القارئ بين تعقيدات المنطق، وانتظار التجديد، وانسداد الآفاق، واضطراب الضمائر، وانحسار المبادئ، وصولًا إلى الكتابة التي لا يفهم إشاراتها إلا من خبر الجراح وعاش تفاصيلها.
وتتميز القصيدة بنَفَس تأملي ونقدي واضح، حيث تتداخل المفردات المجردة مع الصور البلاغية، لتشكّل فضاءً شعريًا يعكس حالة من القلق إزاء واقع تتراجع فيه القيم، وتتشوش فيه المعايير، وتصبح فيه الحقيقة عصية على الإمساك.
إن «عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن» ليست مجرد وقوف أمام مرور الوقت، بل هي مساءلة للزمن بما يحمله من تحولات، ومساءلة للإنسان عما آلت إليه بعض المبادئ والقيم. ولذلك تبدو القصيدة، في هذا الجزء، أقرب إلى شهادة شعرية على زمن تتشابك فيه التناقضات، ويصبح الوجدان المثقل بالجراح أكثر قدرة على قراءة ما وراء السطور.
وفي هذا الجزء السادس، يواصل محمد بوجديان بناء تجربته الشعرية الخاصة، التي تجمع بين التأمل، والرمز، والنقد، وكثافة الصورة الشعرية، داعيًا القارئ إلى التوقف عند المعاني، لا الاكتفاء بقراءة الكلمات.
وفيما يلي النص الكامل للجزء السادس من قصيدة «عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن».
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
أُنْسِفَ المَنْطِقُ بِإحْدَاثِيَات مُعَادَلَة التَّعْقِيـدَات
حَلُّ رُمُوزهَا مُصْفَدٌ بِطَلَاءِ رَمَادُ الإتِّقَــــادَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
الكُلُّ يَنْتَظِرُ زُهُوراً رَحِيقُ عُنْفُوَانها التَّجْدِيـــــدَات
وَهُمْ سُكَارَى يَمْشُونَ عَلَى سِكَّةٍ طَوِيلَةُ التَّمْدِيدَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
امْتِقَاعُ وُجُوه غَطَسَتْ بِدَهَالِيزِ الانْسِـــدَادَات
دُقَّتْ أجْرَاسهَا تَحْتَ قَلْعَة أَوْتَادُهَا الاخْمَادَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
زُخْرِفَت الضَّمَائِرُ بأشْوَاكِ أشْجَارِ الاحْتِشَادَات
تُسْــقَى بِدُخَّــانِ بَقَــايَا هَيَــاكِلِ الإِبَــــــــــادَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
نَفَرَت الطُّيُورُ أوْكَارَهَا صَوْبَ الكُهُوفِ البَائِـدَات
تَارِكَةً أَجْوَاءهَا لأَشْبَاهِ المَخْلُوقَات السـَّــــائِدَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
أطْلَالُ مَبَادِئ انْقَرَضَت حَتَّى فِي طَيَّاتِ المُجَلَّدَات
مُدَلْهَمَة بِوَمِيضِ آهَاتِ مُجَسَّمٍ مُنْعَدِمِ القَاعِـــدَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
ألْبَابٌ تُغَرِّدُ بِأَقْلاَمٍ عَصِيرُهَا السُطُورُ المَفْقـُـــــودَات
لا يَفْهَمُهَا إلاَّ وُجْدَانٌ مَرَّ بِجُرُوحٍ مَلْفُوفَة الضِّمَادَات



