اليوم vendredi 22 janvier 2021 - 6:33
أخر تحديث : mercredi 13 novembre 2013 - 7:43

هل فعلا أصبحت بركان قبلة مفضلة للمتشردين و المختلين عقليا ؟

 

www.sabahachark.com

صــــباح الشرق

تراهم هنا و هناك، على الأرض تارة وعراة تارة أخرى…. ملابس متسخة، وأقدام حافية ملطخة، أبدان نحيلة و شعر طويل وجدت فيه الحشرات مكانا دافئا و اتخذت منه بيتا ثانيا… يمشون , لا يكلون ولا يملون…. يصرخون و يطلقون العنان لعبارات متشابكة المعاني تجسد لماض قاس عانوه قبل أن يفقدوا ذاكرتهم الحية ، فظلت تلك الجمل عالقة في أذهانهم.
في جولة صباحية تقوم بها داخل أزقة و شوارع مدينة بركان، أو في ساعة قد تصطدم بجسد شخص نائم أو متسرح أمام الرصيف، بعد ليلة طويلة قضاها في تناول المخدرات الرخيصة “السيلسيون ” أو ليلة أمضاها بسبب عدم تحمل جسده النحيل للفحات البرد القارس و زمهريره، وجوه اختفت ملامحها تحت أقنعة ترابية سحنهم تقريبا متشابهة و ملابسهم كذلك، لا يمكن التفريق بين الطفل و الطفلة أو بين المرأة و الرجل، إنهم المتشردون و المختلون عقليا.
أناس قسا عليهم الزمن، و تبدل حالهم بعد أن هربوا من الماضي المرّ من ظروف معيشية أملتها الحالة العائلية بسبب قسوة الأب أو الأم أو الزوجة الأب أو زوج الأم أو الجد أو الأعمام أو العمات أو أي شخص آخر، حين كانوا أطفالا صغارا أو بفعل فاعل للمختلين عقليا فقدوا هويتهم فصاروا بدون وجهة و لا هوية و لا ماض، بعد أن تعطل العقل فأصبح عاجزا عن أداء مهامه، معتقدين أن الشارع سيكون رحيما بهم، لكن العكس هو الذي حدث.
اليوم، لم يعد هناك لا أخ و لا أخت و لا أعمام و لا عمات. اليوم أصبح الشارع هو الأخ والأخت و الخال والعم… رجال و نساء اغتال الشارع حياتهم و جعل بعضا من النسوة أمهات رغما عنهن .

chamkara2
ببركان: للأطفال حصة الأسد

طفل أسود وجهه من فرط وجوده تحت أشعة الشمس، لوقوفه المتكرر تحت لهيب أشعة الشمس، و عند إشارات المرور للتسول , تعود على هذه الطريقة بعد هروبه من منزل جدته التي تكلفت بتربيته بمعية إخوته بعد طلاق والديه ورفض والده تحمل المسؤولية اتجاه أبنائه، في حين كل ما قامت به الأم ترك هؤلاء الأبناء لدى والدتها قبل أن تهاجر إلى إحدى الدول الخليجية.
فشل الطفل في التعليم، بسبب غياب دور الأسرة و تفككها، الظروف الأسرية السيئة نتيجة الطلاق، هي التي دفعته إلى الهرب بعد أن وجد الأرض خصبة نحو الشارع، فلا رقيب و لا حسيب.
رشيد يعتمد على تشوه بجسده لكي يستعطف الناس لتقديم بعض الدراهم له، فقد عمد طفل أكبر منه سنا، فضل هو الآخر الشارع على حضن والديه، إلى حرق جزء من جسده بعد أن سكب عليه ” الدوليو ” على مستوى جزء من وجهه ورقبته قبل أن يشعل النار، عبر رشيد عن رغبته بالعودة إلى بيت جدته لأنه ندم كثيرا، لكنه لم يعد يذكر العنوان، فعمره الآن ثلاثة عشر سنة، و هو خرج من البيت و لم يعد إليه منذ أن كان عمره خمس سنوات.
طفل آخر جعل من شارع محمد الخامس مأوى و بيتا في أحد أركانه، لا ينتمي إلى عالم الطفولة بشيء سوى بحجمه، فشكله يبدو أكبر من سنه بكثير… عجوز بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يداه تدلان على أنّه قضى جزءا كبيرا من حياته تحت رحمة أشعة الشمس. بمجرد النظر إلى عينيه تدرك ما ناله هذا الطفل العجوز من ظلم و قهر و عذاب و اضطهاد المجتمع له.
طفل لا يتجاوز عمره أربعة عشر سنة، و مع ذلك فهو محروم من أي ذرة حنان، لا وجود لأم حنون في عالمه، و لا وجود لأب يوجهه للطريق السليم… لا يدرك معنى الأسرة، الشيء الوحيد الذي يعرفه تمام المعرفة هو الشارع .
المعاملة الشاذة لزوجة والده له جعلته يهرب من المنزل و عمره لم يتجاوز بعد الثمان سنوات، اعتقد أن الشارع سيكون أرحم من زوجة أبيه و من والده نفسه الذي لم يعد يهتم إلا بأخيه الجديد، لكن الشارع كان أشد قسوة من إهانات الزوجة و من ضربها و تنكيلها به، عاش في الشارع كل أشكال العنف من ضرب و اعتداء بالسلاح الأبيض و تحرش جنسي، مارس و مورس عليه.
قد يبدو عليه أنّه لا يتمتع بالرحمة، فملامحه توحي للناظر بذلك، لكن بمجرد الحديث معه يتضح أنّه يتمنى لو عاد إلى حضن والده، و يحلم لو أنّ والدته لم يتوفاها الله.
عندما تراه و تتحدث إليه تدرك أنّ الشارع استبدل طيبوبته بقسوة و براءته بمكر… فعمر ذكي إلى حد الخبث، لا يمكن للشخص أن يصدق هذا الطفل الذي لم يتجاوز بعد العاشرة من عمره، رغم أن شكله يدل على حداثة سنه، فطريقة حديثه و طريقة مسكه لعقب السيجارة بين أصبعيه الخشينين تشير إلى أن هذا الطفل تشرب من تجارب الحياة.
طلب عشرين درهما قبل أن يسرد حكايته… حكاية تشبه حكايات العشرات بل المئات من الأطفال الذين فضلوا في لحظة الشارع عوض حضن الأسرة.
عمر لم يهرب من حضن الأسرة و فضل الشارع، لأن والده تزوج بعد وفاة الزوجة الأولى و لم يهرب إلى الشارع بعيدا عن قسوة زوجة الأب، لكنه هرب من البيت لكون والده هدده و هو في سن الثامنة إن لم تكن نتائجه جيدة فسيكون مصيره الحبس في غرفة بالسطح.
كانت نتائجه ضعيفة جدا كالعادة، ففضل الهرب عوض أن يعاقب، ولأن الوالدين اللذين يعملان طوال النهار، لم يعلما بالأمر إلا بعد أن وقعت الواقعة. اعتقد أن الشارع سيكون رحيما، لكنه لم يجد أمامه إلا العنف و الاعتداء الجنسي، خصوصا أنّه كان صغيرا و الشارع لا يعرف إلا قانونا واحدا ألا وهو قانون ” الغاب “، ” القوي يأكل الضعيف ” و هو كان ضعيف وسط الأقوياء، فتعرض لكل أشكال الضرب و الإهانات و تعلم أن يكون قاسيا و تعلم بشكل أسرع مما توقع هو نفسه.
أطفال صغار اقتربنا منهم، فلاذوا بالفرار اعتقادا منهم أننا سنلحق ضررا بهم .

chamkara1
تـــــوزيع عــــــــادل

يوم بعد يوم، نصادف في طريقنا وجوهنا نراها لأول مرة ببركان، متشردون ومختلون عقليا، تم جلبهم إلا المدينة في إطار توزيع عادل لهذه الفئات على جميع المدن  حتى لا تستبد مدينة بحصة الأسد على مدينة أخرى.
متشردون وجدوا ضالتهم في الشارع، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يمضون يومهم في النوم و البحث عن فتات خلفه بطن البركاني، فيقتسمونه مع الكلاب، و تارة يسابقونهم للقمامات وأماكن الأزبال و النفايات.
مختلون عقليا، مواضيع متشابكة و معاني مبهمة وأفكار مشتتة، و ماض منسي و حاضر غامض…

أسبـــــــاب مختلفــــة

تختلف الأسباب و العوامل التي يمكن أن تدفع بالمتشردين و المختلين عقليا إلى حياة الشارع، لكن الذي يجمع بينهم جميعا هو الفقر و افتقارهم للمهارات اللازمة للنجاح في حياتهم الاجتماعية، وهو ما يؤدي إلى افتقارهم إلى السيطرة على حياتهم وإلى انعدام قدرتهم على الاختيار.
ولا محالة أن يكون انفصال الوالدين في بعض الحالات أحد العوامل، فطلاق الوالدين يعرض الأبناء و العائلة برمتها للتشرد و الضياع بالضرورة، حتى وإن لم يقع الطلاق، فإن المشاكل الأسرية من بين العوامل المؤدية إلى جنوح بعض الأبناء نحو الشارع، فهم حساسون بطبعهم، و كل توتر يحدث داخل البيت يوثر سلبا على نفسيتهم فيجد بالشارع ملاذا له.
يبقى الهدر من بين العوامل، فكل المتشردين الذي نزلوا للشارع لم يكملوا تعليمهم في طفولتهم لسبب أو لآخر، حيث يصبح وقت الفراغ أطول والآفاق المستقبلية أضيق فينضمون بالتالي إلى قافلة التشرد.
وعلى الرغم من أن النسبة الغالبة من هؤلاء المتشردين هم من الذكور، فإن هناك تزايدا في عدد الإناث، و اللاتي يتعرضن للإيذاء و التحرشات الجنسية وأحيانا الاغتصاب.
مختلون عقليا تختلف الأسباب و المسببات التي كانت وراء فقدانهم لعقولهم، وأغلبها ترتبط بالعائلة لا سيما الزوجة و الخيانة، أوالسحر وفقدان الممتلكات….

chamkara4
تـــــــشرد وضــــــياع

إن خروج المتشرد في مرحلة متقدمة من عمره مثلا إلى الشارع، سيؤدي به حتما إلى الانحراف خصوصا أمام عدم وجود رادع، فمعظم المتشردين يتعاطون للتدخين و المخدرات الرخيصة و الكحول كذلك، و قد يلجؤون إلى الجريمة عن طريق الاعتداء بالضرب أو السرقة. هم ضحايا ظروف معينة تختلف من متشرد لآخر و من مختل لمختل.
تزايدت في الشهور الأخيرة أعداد المشردات من الفتيات الصغيرات، أغلبهن خرجن إلى الشارع بسبب التفكك الأسري، أو أنهن قادمات من المناطق النائية أو جيء بهم و بهن إلى بركان، وأحيانا خرجن إلى الشارع بتشجيع أحد الوالدين لدفعهن إلى العمل أو التسول .
عادة ما تقول بعض هؤلاء المشردات أن ” زملاءهن ” المشردون يضعون عليهن حماية، و في نفس الوقت يعانين من مضايقتهم و تحرشاتهم الجنسية، وأحيانا يصرّ هؤلاء الذكور على ممارسة الجنس معهن، وفي أحيان كثير يتم ذلك رغما عنهن وأحيانا برضاهن.
هذه العلاقات تفضي غالبا إلى الحمل ثم الولادة في الشارع، و عادة ما يتعرض المواليد للوفاة أثناء الولادة، لأن الظروف التي تتم فيها غير ملائمة، وقد تتخلص بعضهن من الحمل بالإجهاض أو من المولود برميه في مكان ما بعيدا. لكن بعضهن يقدمن مواليدهن لأسر للتكفل بهم .

chamkara5

أيـــــــن الحـــــــل؟

chamkara3

إن المبادرة التي أعدتها وزارة التضامن و المرأة والأسرة و التنمية الاجتماعية ” مدن بدون أطفال الشوارع ” اعتمدت على آليات كفيلة بإنهاء استغلال الفتيات وأطفال الشوارع، حيث تدعو المبادرة إلى ضرورة خلق مؤسسات للدولة خاصة بالأطفال و الفتيات اللواتي تلفظهن الأسر.
كما يجب وضع مؤسسات خاصة بالمتشردين بدل جعلهم عرضة لأشعة الشمس، و زمهرير البرد القارس، و للمختلين عقليا لمساعدتهم على استعادة ماضيهم المشرق و الاعتناء بهم لأنهم جميعهم بشر مثلنا.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.