صباح الشرق / ح قاسمي
في غفلة من الزمن الإداري، وفي الوقت الذي تنصرف فيه الأفئدة و الأجساد نحو طقوس شعيرة عيد الأضحى المبارك، تنبت في بعض هوامش المدينة أوراش غريبة، وتتحرك عدة البناء في جنح الظلام، حاملة معها إسمنتا، وحديدا لا يبتغي سوى فرض “الأمر الواقع” حتى بعد أن تفتح الإدارات أبوابها وتعود السلطات إلى مكاتبها.
هذه الظاهرة، ليست مجرد سلوك معزول للمواطن البسيط الباحث عن غطاء سقف يستر به عائلته، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى “استراتيجية منظمة” تقودها لوبيات عقارية تتقن العزف على أوتار “الزمن الميت”..إنهم تجار الإسمنت العشوائي الذين يعرفون كيف يستغلون انشغال رجال السلطة المحلية بالترتيبات الأمنية..و تمرير الفرص، لينقضوا على الملك العمومي، أو ليشيدوا أبنية إضافية خارج ضوابط القانون والتهيئة العمرانية.
المفارقة الصارخة هنا، هي أن هؤلاء المخالفين يراهنون على “العطلة” باعتبارها منطقة رمادية تسقط فيها الرقابة، متناسين أن التشريعات والقوانين، لم توضع لتطبق في أيام العمل وتعلق في أيام المناسبات،فالقانون لا يعترف بالديمومة الروحية أو الظرفية، ومحاضر المعاينة وأوامر الهدم الفوري لا عطلة لها في إقليم يطمح مسؤوله الترابي إلى تكريس دولة الحق والقانون والمؤسسات.
إن محاربة هذه “الانتهازية العمرانية” لا تتطلب فقط تفعيل دوريات المراقبة الصارمة ونظام الديمومة لرجال السلطة وأعوانهم —وهو واجب لا محيد عنه— بل تتطلب بالأساس قطع دابر المنطق الاستباقي الذي يغذي هذه الظاهرة..و اتقاء شبهة التواطؤ،فالذين يفتحون الأوراش كل يوم يدركون، وعن تجربة سابقة، أن “الهدم” أصعب بكثير من “البناء”، وأن البناية متى قامت واستوت، دخلت في دهاليز المساطر القضائية أو تسويات “الأمر الواقع”.
لقد حان الوقت للاعتراف، بأن حماية النسيج العمراني لا تدار بعقلية المياومة الإدارية،و أن الإدارة التي تحترم نفسها هي تلك التي لا تنام عيون مراقبتها حين ينام الجميع، وتلك التي تقطع الطريق على كل من يعتقد أن “ترهل مسؤول” يمكن أن ينقلب إلى رخصة مفتوحة لتشويه الفضاء العام والترامي على حقوق الأجيال المقبلة في بيئة سليمة ومنظمة.



