صباح الشرق
“الشناقة” في قفص الاتهام.. هل ينجح لفتيت في تطهير أسواق الجملة ؟
في خطوة تشريعية مرتقبة قد تنهي عقودا من الفوضى والريع التجاري، وضع وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، يده على الجرح الغائر لمنظومة التوزيع في المغرب،فخلال مثوله أمام لجنة الداخلية والجماعات الترابية والبنيات الأساسية بمجلس المستشارين، لم يتردد المسؤول الحكومي في إعلان “نهاية زمن الشناقة”، كاشفا عن جاهزية مشروع قانون جديد يروم إعادة هيكلة أسواق الجملة من الجذور.
هذا الإعلان بمثابة “ثورة” على شبكات المصالح والمضاربين الذين استوطنوا سلاسل التوريد، وتحولوا إلى قنوات لامتصاص عرق الفلاح البسيط وجيوب المستهلك المكتوي بنار الغلاء.
اعتراف وزير الداخلية بأن ممارسات “الشناقة” أصبحت منتشرة بشكل لافت داخل منظومة التوزيع، وبأن النموذج الحالي لأسواق الجملة لم يعد قادرا على مواكبة التحولات الاقتصادية، يمثل إقرارا رسميا بفشل مقاربات المراقبة التقليدية.
لقد تحولت أسواق الجملة في المغرب، عبر السنوات، من فضاءات منظمة لتأمين الأمن الغذائي والربط بين الإنتاج والاستهلاك، إلى بؤر عشوائية يسيطر عليها الوسطاء وتعدد المتدخلين..هذه السلسلة الطويلة والغامضة من الأيدي التي تمر عبرها الخضر والفواكه واللحوم، ترفع الأسعار بنسب قياسية تتضاعف أحيانا قبل أن تصل إلى المواطن، دون أن يستفيد المنتج الأصلي من هذا الارتفاع.
يرتكز التصور الجديد الذي طرحته وزارة الداخلية على قطع دابر العشوائية من خلال مبدأين أساسيين مستلهمين من تجارب دولية ناجحة، أولها حصر الوساطة من خلال قطع الطريق على تعدد الوسطاء عبر اعتماد صيغة حديثة وواضحة (بائع معلوم، وسيط وحيد ومعتمد، مشتر معلوم).و ثانيها عصرنة التدبير عبر إدخال آليات رقمية ومسطرية تضمن تتبع مسار السلع والمواد الاستهلاكية منذ خروجها من الضيعة أو المجزرة حتى وصولها إلى أسواق التجزئة.
إن تقليص عدد الوسطاء إلى حد أدنى سيعيد التوازن المفقود للأسواق، فهو يضمن حماية مزدوجة، الأولى للمنتج الذي سيبيع منتجاته بهامش ربح عادل يحميه من الإفلاس، والثانية للمستهلك الذي سيقتني قفته اليومية بأسعار منطقية تعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج وليس جشع المضاربين.
بقدر ما يبدو مشروع القانون الجديد واعدا ومبشرا على الورق، بقدر ما يطرح تساؤلات مشروعة حول قدرة الإدارة الترابية على تنزيله بصرامة على أرض الواقع، فالضرب في عمق منظومة “الشناقة” يعني مواجهة “جيوب مقاومة” منظمة ومستفيدة من الوضع القائم، خاصة وأن هذا الإصلاح يأتي في سياق يتسم باقتراب مناسبات استهلاكية كبرى كعيد الأضحى وفترات الصيف التي تشهد ذروة نشاط هؤلاء الوسطاء.
إن نجاح وزارة الداخلية في تنزيل هذا القانون رهين بمدى حزم السلطات المحلية والمؤسسات الرقابية في تطبيقه، وتحويل أسواق الجملة من “مستنقعات للمضاربة” إلى فضاءات اقتصادية شفافة ومنظمة تعزز السلم الاجتماعي والقدرة الشرائية للمغاربة.



