صباح الشرق / SABAHACHARK
يواصل الشاعر، في الجزء الثاني من قصيدته «عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن»، رحلةً وجدانية عميقة في مواجهة زمنٍ مضطرب، تتداخل فيه الأفكار، وتتشابك فيه الأمكنة، ويجد الإنسان نفسه محاصراً بأسئلة الوجود، وسط عالمٍ فقد كثيراً من توازنه ووضوحه.
ومنذ المطلع، تتخذ القصيدة من الدهشة موقفاً شعرياً، ومن سؤال الزمن مدخلاً إلى التأمل في واقعٍ تتصارع فيه الأفكار، وتضطرب فيه الأمكنة، وتتسع فيه مساحات الاشتباك والالتباس. وفي خضم هذا الضجيج، يختار الشاعر الانعزال، بحثاً عن ملاذٍ قد يمنحه فرصة لاستعادة ذاته والعثور على ضالته بعيداً عن صخب الاصطدامات.
غير أن العزلة، كما يكشف النص، لا تبدو خلاصاً كاملاً؛ إذ سرعان ما تتحول هي الأخرى إلى فضاء مثقل بالآهات، في عالمٍ يطغى عليه الخداع والاضطراب. وهنا يتعمق الصراع الداخلي، وينفتح الوجدان على بحرٍ من الشكايات، قبل أن يصطدم الشاعر بصمتٍ رهيب، يبدو أحياناً أبلغ من كل الكلام.
وتتوالى الصور الشعرية في بناءٍ رمزي كثيف، يتحول فيه الوجود إلى لوحة مضطربة الألوان، وتغدو البصيرة مهددة بالالتباس، فيما تتجمد الحروف وتعجز الكلمات عن التعبير عن عمق ما يعتمل في النفس. إنها لحظة شعرية يلتقي فيها السؤال بالعجز، والحيرة بالصمت، والبحث عن المخرج بالإحساس بضيق المنافذ.
لكن القصيدة لا تستسلم للعتمة. ففي ختام هذا المسار الوجداني، يستعيد الشاعر توازنه الداخلي، ويعود إلى يقينٍ راسخ يمنحه القوة والطمأنينة، مؤكداً أن الإيمان يظل الملاذ الأخير حين تضيق السبل، وتشتد العتمة، وتتراجع كل المراسي.
في هذا الجزء الثاني من «عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن»، يكتب الشاعر عن زمنٍ يثير العجب، وعن إنسانٍ يبحث عن معنى وسط الاضطراب، وعن عزلةٍ لا تخلو من الألم، وعن صمتٍ يعجز الكلام عن اختراقه، قبل أن تنتهي الرحلة عند حقيقة بسيطة وعميقة: حين تشتد العتمة، يبقى الإيمان نوراً لا ينطفئ.
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
الجزء الثاني
تأليف: محمد بوجديان
إِسْتَشَاطَت الأَفْكَارُ فِي بَرِّ الظُّلُمَــــــات
وَاغْتَاظَت الأَمَاكِنُ فِي بَحْرِ الاشْتِبَاكَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
إِخْتَرْتُ الانْعِزَالَ وَسَطَ المَخْلُوقَـــات
لَعَلِّي أَجِدُ ضَالَّتِي فَوْقَ الاصْطِدَامَـات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
حَتَّى العُزْلَةُ وَجَدْتُهَا تَئِنُّ مِن الآهَـــات
بِخَيْدَعٌ عَمَّ الوُجُودَ حَامِلاً الاضْطِرَابَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
وَلَجَ وِجْدَانِي اليَمَّ يَسْرُدُ لَهُ الشِّكَايَـــات
فَاصْطَدَمْتُ بِصَمْتٍ رَهِيبٍ بِكُلِّ الدَّلَالَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
أَصْبَحَ الوُجُودُ لَوْحَةً ألْوَانُهَا الاخْتِلاَلَات
بِسَكَرَاتٍ فَوْقَ البَصِيرَة بِدُونِ دِرَايَـــات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
أَيْنَ المَنَاص!دُلُّونِي يَا أَصْحَابَ الوَاجِهَـــات
حَتَّى حُرُوفِي جَمَدَت وَ عَجِزَت عَنِ الكَلِمَات
عَجِبْتُ لَكَ يَا زَمَن
عَادَتْ مُخَيِّلَتِي لِمَرْبَطِهَا رَغْمَ المُتَمـَنَّيَات
فَلَدَيَّ رَبٌّ يَرْعَانِي وَسَطَ غَيَاهِبِ العَتَمَات



