صباح الشرق / SABAHACHARK
إصدار علمي جديد يسلط الضوء على تأثير دينامية الغطاء النباتي في توحل السدود وتوافر الموارد المائية، ويقدم مقاربة علمية لدعم الأمن المائي وتعزيز استدامة القطاع الفلاحي بالمغرب.
في خطوة علمية تعكس انخراط الكفاءات الأكاديمية المغربية في مواجهة التحديات البيئية والمائية، أعلن إبن مدينة بركان البروفيسور محمد شيخاوي، مدير البحث العلمي والتكوين في سلك الدكتوراه بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، عن صدور مؤلف علمي جديد عن منشورات الجامعات الأوروبية (EUE)، يحمل عنوان: «التدبير المستدام للسدود في مواجهة التوحل: تحليل تأثير دينامية الغطاء النباتي على وتيرة التوحل ومدى توافر المياه».
ويأتي هذا الإصدار في سياق وطني يتسم بتزايد ندرة الموارد المائية، وتفاقم تداعيات التغيرات المناخية، وتصاعد الضغوط على البنيات التحتية المائية، وهي عوامل تجعل من ظاهرة توحل السدود أحد التحديات الكبرى التي تواجه الأمن المائي بالمغرب، بالنظر إلى تأثيرها المباشر على القدرة التخزينية للمنشآت المائية واستدامة الاستفادة من الموارد المائية.
ويقدم هذا العمل البحثي مقاربة علمية متكاملة لتحليل ظاهرة التعرية وانجراف التربة وانتقال الرواسب نحو السدود، من خلال دراسة العلاقة بين دينامية الغطاء النباتي ووتيرة التوحل ومدى توافر المياه، مع الاستعانة بمجموعة من الأدوات والتقنيات العلمية الحديثة التي تتيح فهماً أدق للتفاعلات القائمة بين التربة والغطاء النباتي والتساقطات المطرية.
وفي هذا الإطار، يرتكز البحث على توظيف تقنيات الاستشعار عن بُعد بواسطة الأقمار الاصطناعية، ونظم المعلومات الجغرافية (SIG)، والنمذجة الدينامية للتعرية وفق نموذج D-RUSLE، إلى جانب تقدير معدل إيصال الرواسب (SDR)، فضلاً عن مقارنة النتائج المتوصل إليها بالقياسات الميدانية المتاحة، بما يعزز موثوقية النتائج العلمية ويدعم دقة التحليل.
وتبرز الخلاصات التي يقدمها المؤلف أهمية اعتماد تدبير مندمج للأحواض المائية، يقوم على الربط بين المحافظة على التربة، واستعادة الغطاء النباتي، وتعزيز آليات التتبع البيئي، والاستباق في مواجهة المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية. وهي مقاربة تجعل من البحث العلمي أداة عملية للمساهمة في حماية الموارد الطبيعية، وتحسين تدبير المنشآت المائية، والحد من الآثار الناجمة عن التعرية وانجراف التربة.
ولا تقتصر أهمية هذا العمل على جانبه العلمي والتقني، بل تمتد إلى رهانات التنمية المستدامة، من خلال إبراز الدور الذي يمكن أن تضطلع به الأبحاث التطبيقية متعددة التخصصات في دعم اتخاذ القرارات المرتبطة بتدبير الموارد المائية، وتعزيز قدرة المؤسسات المعنية على مواجهة التحديات البيئية المتزايدة.
كما يجسد هذا الإنجاز التزام معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط بتطوير البحث العلمي التطبيقي، وتوجيهه نحو القضايا الاستراتيجية التي تفرضها التحولات البيئية والمناخية، بما يعزز مساهمة المؤسسة في إنتاج المعرفة العلمية وتقديم حلول تستجيب لحاجيات التنمية المستدامة بالمغرب.
ويمثل صدور هذا المؤلف ثمرة عمل أكاديمي جماعي، يعكس قيمة التعاون العلمي وجودة التأطير الأكاديمي وروح المثابرة في تحويل الجهود البحثية إلى إنتاج علمي قابل للإسهام في معالجة الإشكالات الواقعية. كما يشكل مناسبة للتأكيد على أهمية تكامل الجهود بين الباحثين والمؤسسات العلمية والجهات الداعمة للبحث والابتكار.
وفي هذا السياق، عبّر القائمون على هذا العمل عن عميق امتنانهم لأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، تقديراً لدعمها المالي القيّم لمشروع GISEC، الذي أسهم في إنجاز هذه الأبحاث العلمية وتثمين نتائجها.
ويؤكد هذا الإصدار، وفق الرؤية التي يحملها، أن القيمة الحقيقية للبحث العلمي لا تتجلى فقط في إنتاج المعرفة، بل أيضاً في قدرته على توجيه القرارات، وصون الموارد الطبيعية، واقتراح حلول عملية للتحديات التي تواجه المجتمع، ولا سيما في ظل التحولات المناخية وتزايد الحاجة إلى تدبير عقلاني ومستدام للموارد المائية.
فحماية التربة ليست مجرد إجراء بيئي، بل هي استثمار مباشر في حماية السدود وتأمين الموارد المائية وضمان استدامتها. كما تمثل ركيزة أساسية لتعزيز قدرة القطاع الفلاحي على الصمود أمام التقلبات المناخية، والحفاظ على استمرارية الإنتاج الزراعي، والإسهام في ترسيخ السيادة الغذائية للمملكة.
وبذلك، يضع هذا المؤلف قضية توحل السدود ضمن رؤية علمية وتنموية أوسع، تربط بين حماية التربة، واستدامة الموارد المائية، ومرونة المنظومة الفلاحية، في أفق الحفاظ على الثروات الطبيعية وضمان حقوق الأجيال الحالية والمستقبلية في موارد مائية كافية ومستدامة.
السيرة العلمية والمهنية للبروفيسور محمد شيخاوي:
مدير البحث العلمي والتكوين في سلك الدكتوراه بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، وأستاذ مشارك بجامعة لافال الكندية، وخبير دولي.
يكرّس البروفيسور محمد شيخاوي، منذ أكثر من 25 سنة، أبحاثه العلمية لمجالات الموارد المائية والتربة، والتعرية وانجراف التربة، والتغيرات المناخية، والاستشعار عن بُعد، والذكاء الاصطناعي، وذلك في خدمة التدبير المستدام للسدود والمجالات الترابية وتعزيز التكيف مع التغيرات المناخية.





