اليوم samedi 5 décembre 2020 - 10:19
أخبار اليوم
أخر تحديث : samedi 26 octobre 2013 - 12:38

المرض النفسي…. بين العلم و الخرافة

يتأرجح المرضى النفسيون في المغرب بين فقدان الثقة وعدم الإيمان بقدرات الطبيب والمعالج النفسي، وبين وجود من يدعون علاجهم بطرق أخرى لا تمت للعلم بصلة. فهم إما يجوبون الشوارع في شبه عدم اهتما، بعد أن لفظتهم المستشفيات العمومية، أوفي أحسن الأحوال معزولون عن العالم الخارجي بفعل ” العار ” الذي يشكلونه لأقربائهم.

ما كاينش شي حاجة كتضربني قد كلمة ” ولدك أحمق “…. الغالب الله، ما عنديش قدرة نبقا متبعة ليه عند طبيب الفلوس. ” تقول فتيحة ” اسم المستعار “، بعينين مغرورقتين بالدموع وهي تشرح معاناتها المزدوجة مع مرض ابنها النفسي ونظرة محيطها الذي لا يرحم… انقلبت حياة فتيحة وأسرتها رأسا على عقب قبل عشر سنوات، عندما اكتشفت لأول مرة سلوكيات ابنها هشام ” اسم مستعار ” غير الطبيعية بعد أن اختفى يومين كاملين عن المنزل وعاد وهو في حالة هستيرية، ” ولدي كان ما بيه ما عليه، كان ضريف وحشومي ومقابل قرايتو، عمرو ما كان كيدير الصداع ولا المشاكل وكان ديما داخل سوق راسو…. ” ما كانت تعتبره فتيحة ” ضرافة وحشمة ” كانت سلوكيات زائدة عن اللزوم شخصها أول طبيب راجعه هشام ب ” الرهاب الاجتماعي “.

زيارة هشام للطبيب لم تأت مبكرة، لأن أسرته اختارت ” الهروب إلى الأمام ” واعتبار الأعراض التي يعاني منها ابنها ناتجة عن سحر أوحسد للشباب الجامعي المتفوق في دراسته، فلجأت فتيحة إلى ” الفقها ” ” وزيارة الأضرحة والسادات “بحثا عن العلاج الشافي لابنها الذي قد يكون ” ممسوسا “…. إلا أن حالة هشام استمرت في التدهور بعد خلطات الأعشاب المتنوعة التي كانت فتيحة ” كتسبب بها ” لابنها، لتنضاف المعاناة الجسدية إلى معاناة الشاب النفسية….

فتيحة لم تستسلم لضغوطات أبنائها بمراجعة الطبيب النفسي إلا بعد مرور سنوات، أدت إلى تدهور حالة الشاب التي أصبحت تستدعي جلسات مكثفة مع الطبيب النفسي، الشيء الذي يفوق قدرات الأسرة المادية مما جعلها تكتفي بزيارات متقطعة لطبيب نفسي مختلف كل مرة….

حالة هشام قد تكون واحدة من آلاف الحالات لمرضى نفسيين يتصارعون بصمت مع المرض لمدة طويلة، بسبب جهل الأسر بمرتكزات الصحة النفسية للفرد، واعتبارها أعراض المرض النفسي ” مسا ” أو” سحرا “…. أو ربما تحاشيها الاعتراف به كي لا يعتبر ابنها ” أحمقا ” أو ” مسطي ” حسب الوصف الذي يطلقه معظم المغاربة على المريض النفسي.

ولا يمكن حصر أعداد المرضى النفسيين في المغرب بدقة، بسبب تقاليد العار ولحشومة، والخوف من المجتمع التي تحيط بهذه أنواع من الأمراض، تجعل منها ” طابو ” مما يضطر الأسر إلى ” عزل ” أبنائها وبناتها، بدل معالجتهم أوادخالهم المؤسسات الصحية.

ويبقى ارتفاع تكلفة العلاج عائقا كبيرا أمام إكمال العلاج بالنسبة للمرضى النفسيين، شأنهم في ذلك شأن العديد من الأمراض التي تتطلب علاجا طويلا، حيث أن غياب تغطية صحية تتكفل بأمراضهم، وغلاء الأدوية يدفع بالكثير من المرضى إلى مقاطعة العلاج، وهو ما يؤدي إلى تطور المرض الذي لا يشكل خطرا وعائقا نفسانيا واجتماعيا للمريض فحسب، بل كل المحيطين به.

وحسب إحصائيات رسمية، صادرة عن وزارة الصحة، في عرضها للبرامج الوطني للصحة العقلية، فان نسبة مهمة من المغاربة يعانون اضطرابات نفسية مختلفة، قد تتحول، في غياب المراقبة والمتابعة الطبية، إلى أمراض نفسية حادة، وأماطت الدراسة الميدانية التي أنجزتها وزارة الصحة المغربية بتعاون مع المنظمة العالمية للصحة سنة 2008، اللثام عن أرقام صادمة، من ضمنها وجود 48.9 بالمائة أي نصف المغاربة تقريبا، مصابين بأحد الأمراض النفسية ( قلق، أو اكتئاب، أو خوف، أو فصام في الشخصية ).

وكانت وزارة الصحة قد أجرت دراسة حول أنواع الأمراض النفسية، ومنها أمراض القلق النفسي، التي تنتشر بنسبة 12.8 في المائة بينما تنتشر الإصابة بحالة القلق العامة بنسبة 9.3 في المائة، أما حالة القلق الناتجة عن التعرض للصدمات، سواء بعد فقدان قريب أو رحيل شخص عزيز، فتمس 2.1 في المائة من المواطنين.

وخلافا لذلك، يصيب الرهاب الاجتماعي أو ” الفوبيا الاجتماعية ” 6.3 في المائة من المواطنين، بينما يمس الخوف من الأماكن 12.8 في المائة من المغاربة، وينتشر مرض الاكتئاب بين المواطنين بنسبة 26.5 في المائة ويمس النساء أكثر من الرجال. أما مرض الفصام، فيمس قرابة 1 في المائة، بينما تقدر نسبة انتشار مرض الوسواس القهري بين المغاربة ب 6.6 في المائة.

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات



ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تحتفظ بحقها في نشر او عدم نشر اي تعليق لا يستوفي شروط النشر وتشير الى ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً. شروط النشر: ان موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية تشجّع قرّاءها على المساهمة والنقاش وابداء الرأي وذلك ضمن الاطار الأخلاقي الراقي بحيث لا تسمح بالشتائم أو التجريح الشخصي أو التشهير. كما لا يسمح موقع جريدة صباح الشرق الالكترونية بكتابات بذيئة او اباحية او مهينة كما لا تسمح بالمسّ بالمعتقدات الدينية او المقدسات.