صباح الشرق / ح قاسمي
تمثل الخيارات الاستراتيجية التي تبنتها الجمعية الوطنية للتربية والتخييم والثقافة “ANECC” في محطتها الربيعية لعام 2026 بمركز الحوزية، قراءة ناضجة للتحولات السوسيو-تربوية التي يشهدها المغرب. فبينما تكتفي العديد من الإطارات الجمعوية بالدور التنشيطي الكلاسيكي، اختارت هذه الجمعية التموقع في منطقة “الهندسة التربوية الواعية”، محولة المخيم من مجرد “وظيفة إيواء” إلى “وظيفة إنتاج للقيم”، وهو ما يظهر جليا في طبيعة البرنامج الذي يقطع مع الارتجالية ليتبنى منطق التكوين التفاعلي والمهارات الحياتية.
إن الانحياز لليافعين كفئة مستهدفة يعكس ذكاء تنظيميا في التقاط احتياجات شريحة عمرية تمر بمرحلة “انتقال هوياتي” حرج، مما يجعل من اختيار شعار “رؤية جديدة لصناعة الحياة” إعلانا عن رغبة الجمعية في ممارسة “الاستثمار الوقائي”، فالجمعية هنا لا تراهن على تزجية الوقت، بل على تمكين اليافع من أدوات التفكير النقدي والمبادرة، وهي اختيارات تضعها في مواجهة مباشرة مع تحدي “العزلة الرقمية” التي يعيشها شباب اليوم، محاولة استعادتهم إلى فضاءات “الواقع الملموس” والعمل الجماعي المنضبط.
من جانب آخر، يبرز اختيار الشراكة مع قطاع الشباب والجامعة الوطنية للتخييم كخيار لـ “مأسسة الفعل التربوي”، حيث تخرج الجمعية من حيز المبادرة الفردية الضيقة إلى رحاب “التعاقد الوطني” من أجل الرأسمال البشري.. هذا التوجه التحالفي يمنح الأنشطة صبغة “الخدمة العمومية” ويوفر لها غطاء بيداغوجيا رصينا، مما يعزز من مصداقية الأطر التربوية التابعة لها، والتي لم تعد مجرد “منشطين” بل تحولوا بموجب هذا الخيار إلى “ميسرين” لعمليات بناء الذات واكتشاف المواهب الكامنة.
وفي نهاية المطاف، فإن تركيز الجمعية على مزج “المتعة بالتعلم” في بيئة آمنة ومحفزة، يكشف عن قناعة راسخة بأن التنمية الشاملة للمجتمع تبدأ من “صيانة الفرد”،و بذلك هي اختيارات شجاعة تعيد الاعتبار للمخيم كمنصة لـ “التنشئة الاجتماعية” السليمة، وتجعل من تجربة الحوزية نموذجا يحتذى به في كيفية تحويل الشعارات الكبرى إلى ممارسات ميدانية يومية، تضع “الإنسان” دائما في قلب معادلة البناء المستقبلي



