– الدكتور مصطفى بن شريف
1 – دون الخوض في مناقب وأدوار الأستاذ الجامعي في التكوين و التأطير الأكاديميين للأجيال التي تعاقبت و درست بكليات الحقوق، والتي تعتبر من مهامه الوظيفية يتقاضى عنها أجرا أو راتبا و تعويضات، مصدرها الخزينة العامة، وهو بهذه الصفة يعتبر موظفا عموميا، يخضع للرقابة الإدارية و البيداغوجية.
2- ولذلك، الأستاذ الجامعي، يمارس وظيفة عمومية، و هي مهنة تحكمها قوانين عامة وخاصة تؤطر الحياة المهنية للأستاذ بوصفه موظفا عموميا، و قانون الوظيفة العمومية يطبق على الأستاذ الجامعي إلى جانب قوانين خاصة، والتي تحظر عليه ممارسة وظيفة أخرى أو مهنة خاصة مؤطرة قانونا، تطبيقا لأحكام الفصل 15 من قانون الوظيفة العمومية، الذي ينص بأنه يمنع على الموظف أن يزاول بصفة مهنية أي نشاط حر أو تابع للقطاع الخاص (….)، علما أن المشرع أجاز للأستاذ الجامعي و من باب الإستثناء، إنجاز الأعمال العلمية و الأدبية والفنية والرياضية، التدريس و الخبرات و الإستشارات و الدراسات، شريطة أن تمارس هذه الأنشطة بصفة عرضية، راجع الفصل 15 من قانون الوظيفة العمومية).
3- في حين أن المحامي، ليس بموظف عمومي بمفهوم القانون العام القانون الإداري)، لأن المحاماة رسالة و مهنة حرة، يؤطرها قانون خاص وهو قانون المهنة إضافة إلى الأنظمة الداخلية للهيئات، و هو بذلك يحظر عليه ممارسة أي عمل آخر مقابل أجر، أو أي نشاط تجاري بشكل مباشر أو غير مباشر، ما عدا أستاذ عرضي أو زائر بإحدى كليات الحقوق لكن دون تلقي أجرا عن ذلك.
4- وهكذا، فهل يجوز الجمع بين مركز الأستاذ الجامعي، وممارسة مهنة المحاماة؟ و هل يحق للمحامي الجمع بين المحاماة وعمل مدر للدخل، مثلا أستاذ جامعي؟
الجواب هو أن القانون يحظر على الأستاذ الجامعي، و على المحامي، الجمع بين مهنتين، و لذلك من غير المنطقي الإدعاء بأن المحامين ضد ولوج أساتذة الجامعات للمهنة بل أن مبادئ القانون تقضي بذلك، ويتعين قراءة الموضوع من زاويتين، و ليس من زاوية واحدة، لأن حظر الجمع بين مهنتين يسري على المحامي و على الأستاذ الجامعي، و كان حريا بالأساتذة الجامعيين المطالبة بتعديل قانون الوظيفة العمومية أولا، الذي يمنعهم صراحة من الجمع بين الأستاذية و المحاماة.
5- يقول البعض بأن الأستاذ الجامعي، وبحكم تكوينه الأكاديمي و إلمامه بمنهجيات البحث العلمي، من شأن ذلك إغناء مهنة المحاماة والمساهمة في تطوير و تجويد المنتوج الفكري للمحاماة، لكن الأمر ليس بالميكانيكي، إذا ما استحضرنا أن الإنتاج العلمي لأساتذة كليات الحقوق، لا يعكس واقع التفوق الأكاديمي، إلا في حالات محدودة.
6- علما أنه يمكن القبول بهذه النظرية في حالة الأستاذ الجامعي المشهود له بالنزاهة و الإستقامة و بالإنتاج الفكري و المعرفي، اما من لم يثبت له أن أنجز دراسات و مؤلفات فإنه لن يكون منتجا في المهنة، ما دام أنه لم يفعل ذلك في محراب الجامعة، فكيف يتسنى له ذلك في المحاماة، و هو ما ينسحب على فئة واسعة، التي ينحصر اهتمامها في إنجاز أبحاث متواضعة، من أجل الإعتماد عليها في الترقيات من أستاذ مساعد إلى أستاذ مؤهل ثم إلى أستاذ التعليم العالي الخ…..
7- قانونيا، لا يجوز الجمع بين مهنة المحاماة ووظيفة الأستاذ الجامعي في نفس الوقت الفصل 15 من قانون الوظيفة العمومية)، و نفس القاعدة تسري على المحامي المادة 7 من القانون رقم (28.08)، لكن يمكن للأستاذ الجامعي ولوج المهنة وفق شروط تتمثل في قضاء فترة من التدريس بالجامعات، ثم تقديم الاستقالة سواء قبل سن التقاعد أو بعد التقاعد، و هي شروط معقولة، يجب فقط أن لا تكون محكومة بشرط تسقيف السن، علما أن المحامي محروم من هذه الامتيازات، راجع المادة 18 من القانون رقم 28.08)
8- والمثير للجدل حاليا، وبمناسبة مناقشة مشروع قانون المهنة من طرف البرلمان هو مجاراة بعض الأساتذة الجامعيين لوزير العدل، بعد تحريضهم ودعوتهم إلى التظاهر من أجل المطالبة بولوج مهنة المحاماة، ضمن شروط مخالفة لروح القانون، و هذا الأمر جد مؤسف، لأن الأستاذ الجامعي الشريف و المستقل في الرأي، لا يمكنه أن يتلقف أو يقبل بأطروحة وزير العدل، والفاقدة لأي شرعية قانونية، لأن تصريحات وزير العدل هي كلها تحريض ضد المحاماة و المحامين و هو سلوك دأب عليه منذ تعيينه في المنصب، و حتى المحكمة الدستورية لم تسلم من لسانه، حيث هاجمها بأسلوب لا يعكس روح المسؤولية التي يشغلها، علما أن قرارات المحكمة الدستورية ملزمة لجميع الجهات الإدارية والقضائية تطبيقا للفصل 134 من الدستور.
فكيف يتجرأ الوزير على الخدش في مؤسسة دستورية، تتولى وظيفة حماية الدستور إلى جانب الملك بوصفه سلطة تأسيسية و فرعية الواضعة للدستور، و هذا سبب كاف لإعفاءه من مهامه بالنظر إلى تمادي وزير العدل في المساس بالمؤسسات الدستورية و المهنية، لأن المبدأ الدستوري يقضي ربط المسؤولية بالمحاسبة وترتيب الآثار القانونية على ذلك.



