الدكتور مصطفى بن شريف محام بهيئة وجدة.
أولا: المضامين التشريعية للمواد المنعي عليها:
يستفاد من أحكام المواد 41 و 42 و 43، أن نطاقها التكوين المستر الذي يتعين أن يخضع له المحامي سنويا، باستثناء فئة النقباء وقدماء المستشارين بمحكمة النقض والمحامين العامين لديها.
ويكتسي التكوين المستمر طابعا دوريا سنويا، لمدة عشرين ساعة على الأقل، بتنسيق بين المعهد ومجلس الهيئة المعنية.
ورتبت المادة 43، من المشروع، جزاء تأديبيا، في حال اخلال المحامي ببرنامج التكوين المستمر بدون عذر مشروع.
وبناء عليه، نتساءل وبشكل قانوني، هل يحق للمشرع أن يتوغل في مجال تنظيم مهنة المحاماة التي هي من ولاية مجالس الهيئات بتفويض منه ، بعد إجراء المباراة من طرف وزارةالعدل والحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة؟
ان التكوين المستمر، معناه أننا أمام واقعة تنسحب على الفترة التي يكون فيها المحامي مسجلا بالجدول، الأمر الذي تكون معه وزارة العدل أو إدارة المعهد التابع لها، لا تملك اي سلطة على المحامي سواء تعلق الأمر بالتكوين أو التأديب، لكونها ليست بسلطة إدارية رقابية على الهيئات(….) بالنظر إلى كون مجالس الهيئات، هي صاحبة الاختصاص العام، بادارة شؤون المهنة، ومن بينها التكوين المستمر، واسناد المشرع هذه الوظيفة لجهة إدارية، اما بشكل مستقل أو بالتشارك مع الهيئات، فيها مساس باستقلالية المحاماة، وتعديا على صلاحيات أجهزتها المؤسساتية.
ومن جهة ثانية، لما كانت المحاماة مهنة حرة ومستقلة، وفق المادة الأولى من نفس القانون، وأن البت في طلبات التسجيل في الجدول، يعود لمجالس الهيئات طبقا للمادة 19 من نفس القانون، وبوضع مشروع برنامج للتكوين المستمر للمحامين عملا باحكام المادة 121/ الفقرتين 1 و 5 من نفس القانون، الأمر الذي يطرح اشكالية قانونية حقيقية، تتمثل في تعسف المشرع، لاصطدامه بروح التنظيم الذاتي، المقرر لهيئات المحامين بالمغرب، في تسيير وتدبير الشؤون المهنية، ومن بينها التكوين المستمر، بالنظر إلى كون كل هيئة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي وتعتبر الممثل القانوني للمحامين المنتسبين إليها( راجع المادة 116/ الفقرة الثانية من مشروع القانون ).
وترتيبا على ما ذكر، تكون المواد المذكورة فيها ما يخالف الفصول 11 و25 و 71 من الدستور.
ثانيا: من حيث انفصال المواد المنعي عليها مع الأحكام التي تقتضيها مزاولة مهنة المحاماة
لما كانت المحاماة مهنة حرة ومستقلة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وترسيخ سيادة القانون، وحماية حقوق المحاميات والمحامين، وتتولى الهيئات تدبير شؤون المهنة في جميع مناحيها، كتنظيمات مهنية، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، الأمر الذي لا يسقيم معه إسناد وظيفة الإشراف على التكوين المستمر للمحامين كليا أو جزئيا لوزارة العدل، لما يشكل ذلك من اعتداء على اختصاصات المؤسسات المهنية التي أوكل لها المشرع تحديد حقوق وواجبات المحاميات والمحامين بصورة دقيقة( راجع حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية، الدعوى رقم 30 لسنة 15، دستورية، بتاريخ 03 / 12 / 1994).
ومن جهة ثانية، أن احداث هيئات المحامين بالمغرب هو قرار للدولة بناء على قانون، ومتعها بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، تضم المحاميات والمحامين المقيدين بجدولها، وقد فوض لها المشرع باتخاذ كافة التدابير التنظيمية كتنظيمات مهنية مستقلة تماثل تلك المقررة للهيئات الإدارية العامة، مما يدل بأنها تجمع بين مقومات الهيئة العامة، في حين أن عناصرها من شخصية مستقلة، وظيفتها إدارة مرفق مهني عام بتفويض من الدولة. ( راجع حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية، الدعوى رقم: 161، لسنة 36 قضائية ” دستورية” بتاريخ 04 يلوليوه 2020، الجريدة الرسمية عدد 27 مكرر(ج) بتاريخ 08 يوليوه 2020 ).
ومن جهة ثالثة، ان إسناد السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وظيفة الإشراف على التكوين المستمر للمحامين، لا يندرج ضمن نطاق السلطة التقديرية للمشرع، لأن الأمر لا يتعلق باختيار تدبير تشريعي كسبيل لبلوغ أهداف مقررة في الدستور، مما لا يحق للمشرع التنازل وتفويض اختصاصات هي من المهام الأصيلة لمجالس الهيئات( راجع، قرار المجلس الدستوري رقم 817/ 2011 بتاريخ 13 اكتوبر 2011) . علما أن مرافق التنظيم المهني( الهيئات ) تمتاز بصفات معينة، من أهمها، أن المشرع خولها لأداء مهامها قدرا كبيرا من سلطات القانون العام والقانون الخاص Un régime juridique mixte ، تكوينها يخضع لقواعد القانون الخاص، في حين يحكم نشاطها القانون العام( راجع المحكمة الإدارية العليا المصرية، الطعن رقم 3089 لسنة 35ق، جلسة 16/ 12 / 1990، المكتب الفني، السنة 36، ص: 5، وسليمان محمد الطماوي، الوجيز في القانون الإداري: دراسة مقارنة، دارالفكرالعربي، ،القاهرة، 2016، ص: 348 ).
ويستفاد من المواد المنعي عليها أنها أقامت تمييزا بين المحاميات والمحامين المنتسبين لكل هيئة فيما يتصل بالتكوين المستمر، بحيث قررت أنه إجباري لفئة دون فئة اخرى، وهو تمييز لا مبرر له بين المحاميات والمحامين، لان الهيئة مبدئيا، هي من تستقل بتقدير ذلك، وليس وزارة العدل، وهذا المقتضى يخالف مبدأ المساواة بين المحامين في الحقوق والواجبات، وهو مبدأ عام، اقرته جميع دساتير المملكة التي تقول بأن المواطنين في نظر القانون متساوين في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم لأي سبب كان.
وبناء عليه، تكون المواد المذكورة أعلاه، قد اقامت تفرقة بين المحامين، لا تستند إلى مبرر قانوني، ودون سبب شرعي، بإسناد وظيفة الإشراف على التكوين المستمر للمحامين، إلى جهة إدارية( وزارة العدل ) وهو ما يمثل تهديدا حقيقيا لاختصاصات الهيئات المهنية، مما تتحقق معه حالة مخالفة الدستور.



