– بقلم: الدكتور مصطفى بن شريف محام بهيئة وجدة.
تقديم:
ان المحاماة رسالة، ومهنة حرة ومستقلة، و احد جناحي العدالة إلى جانب القضاء.
يدير مهنة المحاماة في كل هيئة، أجهزة تتكون من مؤسسات: النقيب، والمجلس، والجمعية العمومية.
وبمعنى آخر، يتولى تدبير شؤون المهنة نقباء ومجالس منتخبة من المحاميات والمحامين المنتسبين لكل هيئة.
ومن جهة اخرى، تخضع الهيئات من حيث تكوينها للقانون الخاص، فهي شخصية اعتبارية خاصة، تتمتع بالاستقلال المالي والاداري، ويحكم نشاطها ويؤطره القانون المنظم للمهنة.
أنه ولاداء الهيئات لمهامها، مكنها المشرع صلاحية إصدار أوامر وقرارات ومقررات، ملزمة لمنتسبي المهنة، قد تكون قرارات فردية أو تنظيمية.
كما تمارس الهيئات اختصاصات تم تفويضها لها من قبل الدولة، من بينها تنظيم مالية الهيئات ولها حق فرض وتحصيل رسوم التسجيل و الاشتراك، الدمغة، التكافل، وهي أموال مصدرها المحامين أو المتقاضين( اتعاب)، وليست بأموال عامة.
وترتيبا على ما ذكر، تعتبر كل هيئة من هيئات المحامين شخصية معنوية خاصة مستقلة- وهي بذلك لا تندرج ضمن مشمولات المرافق العامة للدولة- ويحكمها القانون الخاص وليس القانون العام .
علما أن فكرة المرفق العام تنسحب على جميع الأنشطة التي تقوم بها الدولة مباشرة أو بصفة غير مباشرة بهدف تحقيق خدمات عامة تحت اشرافها ومراقبتها.
اولا:مفهوم المرفق العام :
تعتبر المرافق العامة احد موضوعات القانون الإداري بامتياز، وتعريف المرفق العام يجب أن يكون من وجهة نظر القانون الإداري كفرع من فروع القانون العام، وليس القانون الخاص. وهكذا، تتجاذب المرفق العام عدة نظريات، تتوافق فيما بينها على إعتماد معيارين أحدهما مادي يقول بأن المرفق العام هو النشاط الإداري الذي يصدر عن مؤسسات الدولة بهدف تحقيق مصلحة عامة، وآخر عضوي يتمثل في كون المرفق العام ينسحب على الإدارة أو الهيئة التي تزاول نشاطا اداريا( راجع محمد الأعرج، القانون الإداري المغربي، الجزء الأول، منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مواضيع الساعة عدد: 61، مطبعة دار النشر المغربية، 2009، ص: 315) .
وبصفة عامة، يرى جانب آخر من الفقه، أن فكرة المرفق العام هو النشاط الإداري الذي تمارسه الدولة أو مؤسساتها عن طريق إدارته( اي المرفق العام ) مباشرة أو بواسطة الغير الذي يخضع لاشرافها ورقابتها بغاية تحقيق مصلحة عامة( راجع مليكة الصروخ، القانون الإداري: دراسة مقارنة، الطبعة الخامسة، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2001، ص: 298).
ومن المعلوم أن المرفق العام، يقوم على عناصر، قوامها أن الدولة هي من تحدثه وهي من تلغيه، أنه يستهدف تحقيق مصلحة عامة للجمهور، تسخر له الدولة موظفين واموال عمومية، ويخضع للقانون تدبيرا ورقابة.
وهكذا، يتبين بأن عناصر المرفق العام لا تنسحب على المرفق المهني للمحاماة، لكون المحاماة يؤطرها قانون خاص، نشاطها محصور في تدبير الشأن المهني، واموالها ليست بمال عام.
ثانيا: في عدم جواز اخضاع الهيئات المهنية لرقابة المجلس الأعلى للحسابات:
يعتبر المجلس الأعلى للحسابات هو الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية، وممارسة المراقبة العليا على تنفيذ القوانين المالية، ويتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، وذلك تطبيقا لأحكام الفصل 147من الدستور والمادة 3 من القانون رقم 99.62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية.
وهكذا، يتبين بأن نطاق اختصاص المجلس الأعلى للحسابات لا تندرج ضمنه الهيئات المهنية، لسبب بسيط هو أن هذه الاخيرة ليست بمرافق عامة، وأن اموالها ليست بمال عام.
ويجب الإشارة إلى أن فكرة المرفق العام ليست من وضع الفقه، بل أنها من صنع قضاء مجلس الدولة الفرنسي، بحيث تم التأسيس للفكرة من طرف محكمة التنازع Tribunal des conflits في حكم بلانكو Blanco الشهير الصادر في 08 فبراير 1873، ولذلك فإن مجلس الدولة الفرنسي هو من وضع أساس نظرية المرفق العام. ( راجع، سليمان محمد الطماوي، مبادىء القانون الإداري: دراسة مقارنة، الكتاب الثاني، نظرية المرفق العام وعمال الإدارة العامة، طبعة مزيدة ومنقحة، دار الفكر العربي، القاهرة، 2014، ص: 13). علما بأن القانون الإداري يقوم على فكرتين اساسيتين هما: السلطة العامة والمرفق العام، وجميع المنازعات التي ترد عليهما من اختصاص القضاء الاداري.
أنه ولما كانت هيئات المحامين شخصيات معنوية خاصة فهي تخضع لقواعد القانون الخاص وليس القانون العام، لأنها بكل بساطة ليست بمرافق عامة بل مرافق مهنية من نوع خاص.
ثالثا: رأي محكمة النقض بشأن المركز القانوني لمرفق المحاماة:
تنص المادة الأولى من القانون رقم 08. 28 المنظم لمهنة المحاماة ” المحاماة مهنة حرة، مستقلة، تساعد القضاء، وتساهم في تحقيق العدالة، والمحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة القضاء “.
هذه المادة، حددت وبشكل غير قابل للجدل، بأن مهنة المحاماة حرة ومستقلة عن جميع مؤسسات الدولة، وبأنها مرفق مهني بامتياز، لا تنسحب عليها المبادىء والقواعد التي تحكم نظرية المرفق العام، وهي بذلك تنظيم ذاتي فوضت له الدولة تدبيره في إطار من الاستقلاية الإدارية والمالية.
وهكذا، وبمناسبة واقعة اختلاس مالية هيئة من هيئات المحامين بالمغرب، وأمام الجدل بشأن انعقاد الاختصاص لمحاكم الجرائم المالية والمحاكم العادية، أصدرت محكمة النقض القرار عدد : 1331/ 8 بتاريخ 16 / 08 / 2018 في الملف الجنحي عدد : 15490/ 6/ 8 / 2018، وجاء في تعليله ما يلي:
– أن المشرع حدد الطبيعة القانونية لمهنة المحاماة، والمتجلية في الحرية والاستقلال، سواء للمؤسسات المهنية أو بالنسبة للمحامين، وهي الطبيعة التي تتنافى وضوابط الوظيفة العمومية، القائمة على السلطة الرئاسية والتسلس الإداري.
– أن تدبير وتسيير هيئة المحامين لحساب ودائع واداءات المحامين يتم تنفيذا لنص المادة 57 من القانون رقم 08. 28 ، كما أن مسك الهيئة للحساب المذكور لا يجعل منها مصلحة ذات نفع عام، ما دامت الصبغة الاساسية للمهنة هي الاستقلاية، من جهة، ومن جهة ثانية، لكون موارد الحساب ليست متاتية من أموال عمومية، ما دام الثابت أنها مملوكة للمحامين ولموكليهم، أي لخواص.”
– وبناء على ما ذكر، تكون محكمة النقض كاعلى هيئة قضائية بالمملكة، وبوصفها في الأصل محكمة قانون، تكون قد حسمت في الجدل الذي يدور حول الطبيعة القانونية للهيئات وللاموال التي تتولى إدارتها، بحيث أكدت بأنها مال خاص وليست بمال عام، الأمر الذي يخرجها من دائرة رقابة المجلس الأعلى للحسابات، خلافا لما تقول بعض الأقلام التي تدافع عن اطروحة رقابة المجلس الأعلى للحسابات على مالية هيئات المحامين بالمغرب، والتي تعتمد في كتاباتها نهج أسلوب خالف تعرف.



