صباح الشرق
القراءة المتأنية للخطاب الملكي الصريح، الذي ربط بشكل لا يقبل التأويل بين مخرجات الانتخابات التشريعية المقبلة وتشكيل الحكومة، وبين إطلاق “دورة تنموية جديدة”، تضعنا جميعا أمام سؤال يؤرق البال.. هل تملك نخبنا الحزبية اليوم من الشجاعة والعمق ما يجعلها ترتقي إلى مستوى هذه الإشارة السامية؟ أم أننا سنعيد إنتاج نفس “المسرحية الانتخابية” بوجوه قديمة وشعارات بالية؟
إن الرهان ليس عاديا، واللحظة ليست للترف السياسي،و المغرب اليوم يقف في مفترق طرق حاسم، إما أن نلتقط روح الرؤية الملكية ونحول المحطة الانتخابية المقبلة إلى “ثورة في السلوك والرجال والمناهج”، وإما أن نسقط مجددا في فخ التكنوقراطية الباردة التي تدير الأزمات بدل أن تصنع الحلول، أو في فخ “الريع الحزبي” الذي يحول المؤسسات إلى غنائم ومقاعد للتوزيع.
فمن أين تبدأ هذه “الدورة التنموية الجديدة”؟
أولا في قطع دابر “أعيان الكارطون”.. لا يمكن للبلاد أن تخوض رحلة نحو المستقبل بقوارب قديمة ومثقوبة،إذ استمرار بعض الأحزاب في تقديم نخب “انتهازية” لا تجيد سوى لغة المال وإتقان لعبة التزكيات في الكواليس، هو بمثابة “فرملة” متعمدة لقطار التنمية،و الملك يتطلع إلى دورة تنموية كبرى، وهذه الدورة تحتاج إلى عقول وازنة، إلى كفاءات نزيهة تشعر بنبض الشارع وتفهم تعقيدات الاقتصاد العالمي، لا إلى “تجار انتخابات” ينتهي دورهم يوم إعلان النتائج.
ثانيا، في استعادة “معنى” السياسة.. إن أزمة الثقة ليست بين المواطن والدولة، بل هي في الأساس بين المواطن والوسيط السياسي،فعندما تحولت البرامج الانتخابية إلى إنشاء أدبي متشابه، وباتت التحالفات تبنى على مصالح ضيقة لا على برامج مجتمعية، صمت الشارع واختار جزء كبير منه العزوف،و عليه فإن إعادة الروح للعمل السياسي تشترط أن يدرك قادة الأحزاب أن صناديق الاقتراع ليست “صكوك غفران”، بل هي عقد التزام ومحاسبة صارمة.
ثالثا، في الجرأة على مواجهة الحقيقة الترابية.. التنمية التي يطمح إليها جلالة الملك لا تدار من المكيفات المركزية في العاصمة، بل تصنع في القرى النائية، وفي الأقاليم والجهات المنسية التي لا تزال تنتظر حقها العادل في الثروة والخدمات والتجهيزات.والحكومة المقبلة، إن هي أرادت التجاوب مع الإرادة الملكية، مطالبة بالقطع مع منطق “المغرب النافع والمغرب غير النافع”، وتنزيل الجهوية المتقدمة بصرامة، لا بصفتها ترفا إداريا، بل باعتبارها شريان حياة حقيقي للاقتصاد الوطني.
إن الخطاب الملكي وضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية..الملك رسم الأفق، والكرة الآن في ملعب الفاعلين والناخبين على حد سواء،و الانتخابات المقبلة يجب ألا تكون مجرد محطة لتغيير الوجوه على الكراسي، بل يجب أن تكون محاكمة واعية للممارسات السابقة..



